نتنياهو «المتلذذ بجرائمه» في مواجهة عزلة دولية متنامية

رغم الإدانات العربية والإسلامية والدولية الواسعة للعدوان الإسرائيلي الأخير على الدوحة، وأحدث هذه الإدانات في القمة العربية الإسلامية وقبلها مجلس الأمن الدولي، فإن حكومة الكيان الصهيوني بزعامة نتنياهو تخرج لسانها للجميع، فتوسّع عدوانها على غزة، لتدمير ما تبقّى من القطاع، وطرد سكانه منه، وتجدد تعهدها بالاستمرار في ملاحقة قادة المقاومة أينما تحركوا، تأكيدًا لوصف العدوان بأنه رسالة للشرق الأوسط كله، حسبما قال رئيس الكنيست.
إعلان نتنياهو في مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن محاولة اغتيال قادة حماس لم تفشل، ولكنها أوصلت رسالة لهم: «يمكنكم الهرب، ولكن لا يمكنكم الاختفاء»، هو بذاته رسالة للساسة والعسكريين الإسرائيليين بأنهم يمكنهم التجول في بعض الدول العربية والإسلامية، لكنهم سيتعرضون للانتقام. هذا يعني أن رسالة نتنياهو الملغومة ترتد في صدره. لقد توقفت العمليات الفلسطينية التي كانت تستهدف الإسرائيليين خارج كيانهم منذ مطلع التسعينيات تقريبًا، كما أن حركة حماس التزمت منذ تأسيسها بقصر عملياتها على الداخل الفلسطيني، ولكن نتنياهو يفتح الباب مجددًا لعودة العمليات العسكرية خارج الحدود، ويدفع حماس لتغيير موقفها اتجاه هذه العمليات.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
يحمل العدو أجندة عدوانية منذ زراعته في المنطقة، ولم يتوقف يومًا عن ممارسة هذه الغريزة. شعوره بالخوف والنبذ ممّن حوله يدفعه للتحرّش المستمر بهم، انطلاقًا من اقتناعه بأن الهجوم خير من الدفاع. هو يدرك أنه غير مقبول ولن يكون مقبولًا، وسيظل جسمًا غريبًا في المنطقة. ومهما سعى لاتفاقات تطبيع مع الدول العربية، فهو يدرك أيضًا أنها اتفاقات مع حكومات، بينما تظل الشعوب على اقتناعاتها، ولا تعرف وصفًا لهذا الكيان إلا «العدو التاريخي».
إدانات نظرية.. ودعم عملي
لا يهتم العدو بالإدانات النظرية العربية والإسلامية أو الدولية التي يعرف حدودها، ويكتفي بالدعم الأمريكي المفتوح الذي لا يختلف كثيرًا بين الديمقراطيين والجمهوريين. زيارة روبيو للكيان الصهيوني قبيل انعقاد قمة الدوحة، ومشاركته نتنياهو افتتاح نفق أسفل المسجد الأقصى، وزيارته لحائط البراق (المسمّى يهوديًّا حائط المبكى)، هي رسالة دعم جديدة للكيان، وطمأنة للمحتلين، في مواجهة تنامي غضب الشعوب العربية والإسلامية. لقد أرادت الإدارة الأمريكية ـرغم تنصلها من المسؤولية عن ضرب الدوحةـ أن توصل رسالة مزدوجة من خلال زيارة روبيو، فإضافة إلى كونها دعمًا علنيًّا للكيان، فإنها رسالة إلى العرب والمسلمين بل والعالم أجمع بأن الإدارة الأمريكية لن تسمح بأي مساس بهذا الكيان، الذي هو الحليف الحقيقي والوحيد، وأن غيره ليسوا كذلك في الحقيقة، حتى لو منحتهم الولايات المتحدة صفات الأصدقاء والحلفاء.
العدوان الإسرائيلي على الدوحة، وقبله العدوان على غزة ولبنان وإيران وسوريا، دفع حالة الغضب الشعبي العربي والإسلامي بل والعالمي للتصاعد ضد الكيان. مظاهر هذا الغضب تتعدد بين مظاهرات لم تتوقف على مدار عامين، رافضة للعدوان، وداعية لكسر الحصار عن غزة، وتحركات لحصار الكيان نفسه عالميًّا كما هو الحال في محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، التي وافقت أغلبيتها العظمى على فكرة دولة فلسطينية مستقلة. ومن المتوقع أن تشهد المنظمة الدولية في 22 سبتمبر/أيلول الجاري مظاهرة لقادة وزعماء العالم دعمًا لهذا الحق الفلسطيني، وهو ما تحاول سلطات الاحتلال استباقه باحتلال قطاع غزة وضم الضفة الغربية، لقطع الطريق على حلم الدولة الفلسطينية المستقلة.
محاولات كسر الحصار على غزة لم تتوقف رغم إغلاق المعابر. أحدث هذه المحاولات تحرّك أسطول الصمود (50 سفينة، بينها 23 مغاربية و22 عالمية) الذي تأخر انطلاقه أيامًا لأسباب لوجستية، والذي لم يثنه العدوان الإسرائيلي على بعض سفنه، أو التهديدات الإسرائيلية باستهدافه مجددًا واعتقال المشاركين فيه، وحرمانهم من أي حقوق، عن استكمال مسيرته نحو غزة. وكلنا أمل أن يتمكن النشطاء المصريون من اللحاق بهذا الأسطول تمثيلًا للشعب المصري في هذه المبادرة العالمية الإنسانية لفك الحصار عن غزة.
اعتراف نتنياهو بالأضرار
اعترف نتنياهو أخيرًا بأن كيانه يعاني عزلة سياسية وحصارًا اقتصاديًّا متصاعدًا، ودعا الإسرائيليين إلى «التأقلم مع واقع جديد» يعتمد على «اقتصاد مغلق». وهو ما يعكس حجم تأثيرات المقاطعة الدبلوماسية والتجارية والثقافية. وقد فتحت توصيات القمة العربية الإسلامية في الدوحة الباب لمزيد من هذه العزلة حين دعت جميع الدول إلى اتخاذ كافة التدابير القانونية والفعالة الممكنة لمنع إسرائيل من مواصلة أعمالها ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك دعم الجهود الرامية إلى إنهاء إفلاتها من العقاب، ومساءلتها عن انتهاكاتها وجرائمها، وفرض العقوبات عليها، وتعليق تزويدها بالأسلحة والذخائر والمواد العسكرية أو نقلها أو عبورها، بما في ذلك المواد ذات الاستخدام المزدوج، ومراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها، ومباشرة الإجراءات القانونية ضدها، وكذا دعوة الدول الإسلامية إلى النظر في مدى توافق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة مع ميثاقها، بالنظر إلى الانتهاكات الواضحة لشروط العضوية والاستخفاف المستمر بقرارات الأمم المتحدة، مع التنسيق في الجهود الرامية إلى تعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة.
كما كان قرار القمة بتكليف الدول الإسلامية الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية باتخاذ جميع التدابير الممكنة لدعم تنفيذ أوامر القبض الصادرة عن المحكمة بحق نتنياهو (دون ذكره بالاسم)، ودعتها أيضًا لبذل الجهود الدبلوماسية والسياسية والقانونية لضمان امتثال إسرائيل للتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية بتاريخ 26 يناير/كانون الثاني 2024.
استمرار الحراك الدولي بشقيه الشعبي والمؤسسي ضد الهمجية الإسرائيلية، من مقاطعة شاملة، ومظاهرات، واعتصامات، ومحاكمات، وفعاليات أخرى متنوعة، واستمرار الجهود والتحركات لحصار الكيان في المحافل الدولية بهدف عزله من تلك المحافل والهيئات المختلفة، واستمرار فضح الداعمين للكيان سرًّا أو جهرًا، هو الكفيل بردع هذا العدوان، وهو الكفيل بإنزاله من عليائه وغطرسته.
لا تستهينوا بهذه التحركات فقد بدأت تُحدث آثارها.
