الفتاوى السياسية للشيخ عبد الحليم محمود

بينا في مقالنا السابق، رؤية عامة لفتاوى الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهرالأسبق، والصوفي المتفلسف، الذي كانت له بصمات علمية وفكرية بارزة وواضحة في التصوف والفلسفة، وكذلك في العمل المؤسسي الأزهري، فقد ازداد عدد المعاهد الأزهرية في زمانه، بشكل لم يترك مدينة من مدن مصر، أو قرية تقترب من المدن، إلا وكان للأزهر فيها نصيب من معاهده، أو توفر عدد من خريجيه فيها. وقد كانت هذه موضع نقاش هل هي من إيجابيات الرجل، أم من سلبياته؟
وربما ظن البعض أن عبد الحليم محمود سيكون مجرد أكاديمي، أقصى ما سيعنى به البحث العلمي، في التصوف والفلسفة، وهو تخصصه الدقيق، الذي عرف به علميا وعمليا، ولكن الرجل عند التأمل الدقيق في عطائه الفكري، وبخاصة فيما يتعلق بالجانب السياسي، وما له صلة بالشأن العام، سيجد للرجل نظرات وتأملات، وآراء، في غاية القوة والأهمية، نتجت عن تكوين علمي رصين، وتمرس عاقل، يعبر عن صوفيته الحقيقية التي لا تماليء السلطة، ولا تصطدم صداما غير مدروس، أو غير موزون، وهو ما نوضح بعض جوانبه بإشارات سريعة، فالمقام لا يتسع لتفصيل أو إسهاب.
سخرية عبد الناصر تجبره على الزي الأزهري:
كان عبد الحليم محمود ككثيرين من الأساتذة في الجامعة، والذين يرتدون البدلة والكرافتة، ولكنه في خطاب للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، سمعه يتكلم بسخرية غير مقبولة عن الأزهريين، كان في سياق الهجوم على مشايخ السلطة في عهد الإقطاع، أن الأزهري من هؤلاء كان الإقطاعي يعزمه على بطة فيعطيه فتوى، وضحك ناصر وضحك الحاضرون، وأصبحت نكتة، لكنها كانت نكتة سيئة ومسيئة، فشعر عبد الحليم محمود، بأن لدى السلطة شعورا بالانتقاص من الأزهريين، فعزم على مغادرة هذا اللبس الإفرنجي، وعاد للزي الأزهري، ولم يخلعه حتى وفاته.
فتاوى عن الشيوعية:
وفي هذه الآونة فترة حكم عبد الناصر، استشعر عبد الحليم محمود ما تعانيه الأمة من هجوم شرس من الأفكار الشيوعية وغيرها، فقام بالكتابة عن الشيوعية، والموقف منها، بلغة تجمع بين العلم بها، والنقد الدقيق لأفكارها، وهو ما كان ينقص كثيرا من الأزهريين، حين يكتبون عن مذاهب فلسفية وسياسية معاصرة، بعاطفة دون سبر لأغوارها، وهو ما كان يفقد كلامهم الوزن العلمي، بينما عبد الحليم محمود كان –بحكم تخصصه – مطلعا عليها، ولذا تعامل بطريقتين: الطريقة الأولى التي يناقشها علميا، وهو بذلك يخاطب الشباب الذي قرأ عنها، ودرسها، ولا بد عند نقدها من سعة اطلاع بها، حتى يقنعهم بمدى تخبطها، وخطورتها على المستوى العقدي والفكري.
أما المستوى الثاني، فاعتمد فيه عبد الحليم محمود على سوق الفتاوى المتعلقة بالشيوعية، وهو هنا يخاطب المسلم الذي يعتمد فيما يصدر عنه على الخطاب الديني، وقصد بذلك تحصين من لم تغزهم الشيوعية، وتجردا من الرجل، فقد ساق فتاوى غيره في الموضوع، وإن كان للرجل رأيه وفكره. وتلك مرحلة حكم عبد الناصر، وبداية حكم السادات، ولم يكن صداميا كما نرى، بل كان يتجه للنقاش والحوار.
معارضته السادات
ومرحلة قانون الأحوال الشخصية:
كانت مواقف عبد الحليم محمود قوية، ولا يمكن لأحد أن يزايد عليه، أو يتهمه بالجمود أو التخلف الفكري، فالرجل خريج السوربون، ومتضلع في الفلسفة، وله كتب مترجمة من الفرنسية للعربية في الفلسفة لكبار الفكر الفلسفي الأوروبي المعاصر، وهو رجل صوفي، لكن صوفيته ليست من الصوفية السلطوية، أو التي تنزع للمصلحة الشخصية، أو الميل للسلطة، رغبة أو رهبة، وهو ما نراه في مواقفه من قانون الأحوال الشخصية، والذي كان في عهد الرئيس السادات، وكان عبد الحليم محمود وقتها شيخا للأزهر، ورغم أن كل مناصبه تولاها في عهد السادات، فقد كان وزيرا للأوقاف، ثم شيخا للأزهر، بقبول من السادات، ولم يكن ذلك مانعا له من إبداء رأيه في القضايا المتعلقة بالحكم، أو الشأن العام، ولو خالف بذلك توجه السلطة.
كان من ضمن ما في قانون الأحوال الشخصية، والذي سمي وقتها: بقانون جيهان، نسبة لحرم الرئيس السيدة جيهان السادات، وكان مثار جدل شديد آنذاك، وكان من ضمن مواده ما يتعلق بتقييد الطلاق، وتقييد تعدد الزوجات، أو منعه، ثم ما كان يجري في الإعلام المصري آنذاك من الحديث عن تنظيم النسل، وتحديد النسل.
انبرى عبد الحليم محمود يتحدث عن التعدد، بما هو في الشرع الإسلامي، وراح يهاجم فكرة المنع، أو التشويه له، برغم وجود حالات تسيء استعماله، لكن هذا لا يعني أن نجور على الأصل الشرعي، وكان من أهم ما استدل به نقل تجارب بعض الدول التي منعت التعدد، وما حدث جراء ذلك، وذكر نموذجا من تونس في عهد الحبيب بورقيبة، وحتى لا يسبب حساسية لمصر، بحكم منصبه، ذكر الحادثة دون ذكر البلد، وملخصها ما يلي:
أن رجلا أصيبت زوجه بمرض يمنعه من المعاشرة الجنسية معها، فتزوج بثانية في السر، وهو ممنوع في القانون التونسي، وعلم بعض جيرانه بذلك، فأبلغوا عنه، وراقبه البوليس حتى تم القبض عليه بصحبة زوجته الثانية، وفي التحقيق كانت المفاجأة، سأله البوليس: لماذا تتزوج بثانية والتعدد ممنوع في بلادنا؟ فقال الزوج: هذه ليست زوجتي، فسألوه: فمن هي؟ فقال: إنها عشيقتي، فاعتذر له البوليس وأخلوا سبيله، وقالوا: سامحنا لقد فهمنا خطأ. يقول الشيخ معلقا: حرموها زوجة، وأباحوها عشيقة وخدينة!
ثم ساق الشيخ عن كتاب لمستشرق فرنسي أسلم فيما بعد، وقد أقام في إحدى الدول الإسلامية في عهدين، عهد كان فيه التعدد المنضبط، وعهد كان فيه الدعوة لمنعه، فقال: (حين منع التعدد والطلاق، وجدت ظواهر لم تكن موجودة، أيام إباحة التعدد والطلاق، ما هي هذه الظواهر؟
الأمر الأول: كثرة العوانس، هذا أمر. والأمر الثاني: كثرة اللقطاء. والأمر الثالث: كثرة الأمراض السرية).
ثم ختم الشيخ فتواه، ورده إلى قانون الأحوال الشخصية في هاتين النقطتين: تقيد الطلاق، والتعدد، فقال: (فإن مما يشبه اليقين عندنا: أن لا ينساق مجلس الشعب وراء أهواء تنحرف بالإسلام، إنه لا يود على الطلاق إلا من ضمير المسلم، ولا قيود على التعدد إلا من ضمير المسلم).
فتوى تحديد النسل فكرة منكرة:
ثم في هذه المرحلة كذلك كثر الحديث عن تحديد النسل، وقد فرق الرجل بين تنظيم النسل وتحديده، ومر رأي عبد الحليم محمود بمراحل، أو محطات، فحين يُسئل عن الرأي الفقهي من عوام الناس، يجيب الإجابة الفقهية المعتمدة، فيقول: إذا كانت المرأة تعاني آلاما عند الوضع، لا تطيقها، وتتضرر منها، وتخاف على نفسها الهلاك، وذلك بتقرير طبيب مسلم حاذق، فلها أن تحدد نسلها لهذا السبب).
بينما حين يكون الحديث من السلطة، وهي دعوة عامة للناس، رأيناه يكتب مقالا بعنوان: تحديد النسل فكرة منكرة. وقام بنشره في مجلة (الدعوة) الإخوانية، وصاحبها بصور تنشر لأول مرة للشيخ بلباسه الخاص في مكتبة بيته، دون عمامة، ويبدو أن المقال لم تنشره صحف السلطة، فقام بنشره في مجلات أخرى ليصل رأيه وموقفه، وراح يناقش الفكرة في سياق آخر، وهو السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي المتعلق بالموضوع.
ولأن مشايخ السلطة يستدلون على جواز التحديد بحديث العزل، أي جماع المرأة دون وصول الحيوانات المنوية، فراح يرد على هذه المسألة ردا فلسفيا اجتماعيا، فقال: أن ذلك كان في وقت تفعله العرب من باب الحرص على شرف الأنساب، أو بتعبير مناسب في الحرص على صحة الأنساب، أي على ألا تكون الأنساب مريضة.
والغالبية العظمى من الجواري لا يعرف لها أنساب، فأبيح العزل، بالنسبة للجواري، حرصا على النطفة من أن تصل إلى خضراء الدمن، سواء كانت خضراء الدمن من الأحرار أو من الجواري، فكان ذلك تخيرا لنطفهم. وأن الصحابة حين كانوا يطمئنون إلى شرف الجواري، لا يعزلون، بل ينجبون منهن.
وراح يناقش الجانب الاقتصادي في الاستدلال على تشجيع تحديد النسل، فرد عليهم بمعلومات دقيقة، من كتب مختصة بصحراء مصر، وأرضها الزراعية، ونسبة ما يزرع، ونسبة ما يهمل، وبين أن حصر مصر في مساحة زراعية محددة، كان هدفا استعماريا، واستجاب له عملاء الاستعمار في مصر، ولام الشيخ مصر أن تحصر نفسها في الجانب الزراعي، بل لا بد أن تتجه لمجالات الصناعة بقوة، جنبا إلى جنب مع الزراعة، وتوسيع الرقعة الزراعية.
ختم الشيخ كلامه بقوله: (تحديد النسل، إنها فكرة منكرة!! وهي إذا اتخذت الأساس، ضيق ذات اليد، فإنها فكرة تخالف الدين، يحرمها الدين. وأقولها بالصوت الجهير، وأكتبها بالخط العريض: إنها فكرة ليست في مصلحة مصر. ويمكن أن نقول مع الدكتور علي عبد الواحد وافي عميد علم الاجتماع في مصر: إن مشكلة مصر قلة النسل.
وعلى ذلك؛ فإن ما ينفق على مراكز تنظيم النسل، يجب أن ينفق في شيء نافع، ويجب أن تغلق هذه المراكز).
رفض طلب السادات بمصادرة كتاب لثروت عكاشة:
لم تكن هذه هي المواقف التي ترصد للشيخ عبد الحليم محمود مع السلطة، بل هناك مواقف أخرى، تحتاج لتفصيل، ويكفي موقفه من رفض طلب السادات منه مصادرة أعمال للأستاذ ثروت عكاشة، كما ذكر ذلك الأخير في مذكراته، وأخبره بأن السادات أوعز إليه بذلك، لكنه لن يستجيب، وسيقيم كتبه تقييما علميا فكريا، بغض النظر عن موقف السلطة.
فالرجل بعلمه وتاريخه، هو نموذج مهم للعالم الأزهري، الذي يتبوأ منصبا في السلطة، لكنه مستقل برأيه بما يفيد الأمة، ويحفظ هيبة المنصب، لا يتعجل صداما معها، ولا يوافق هواها فيما يخالف ثوابت دينه، أو يهز مكانته. قد تتفق أو تختلف مع بعض مواقف الشيخ، لكنك لا تملك إلا أن تجله، وتجل دوافعه ونبل خلقه.
