صابرا وشاتيلا ـ غزة.. دروس الإبادة المتكررة

تظل مجزرة صابرا وشاتيلا بداية النصف الثاني من سبتمبر/أيلول 1982 محفورة في ذاكرة من عاشوا أيامها الدموية.
بصفتي صحفيا مصريا، حرصت على التوجه إلى المخيّمين الفلسطينيين عند زيارات تعددت لبيروت ابتداء من العام 2000، وتحفظ أرشيفات الأهرام جانبا من حصيلة مشاهدات الكاتب لواقعهما مع استدعاء الذاكرة الشفوية لشهود المجزرة. لذا أدهشتني التغيُّرات التي طرأت على سكان المخيّمين، إذ تحوّلا إلى ما يشبه موطنا متعدد الأعراق أو «كوزموبوليتان» لمهاجرين ولاجئين من سوريا ومجتمعات جنوب آسيا الأفقر، «كوزموبوليتان» عشوائيّ ضاجٌّ بباعة الطرقات، يتحدّثون لغات عديدة بعيدة، يغمره الإهمال والبؤس ومياه المجاري، يكاد يطمس ماضيه الفلسطيني/اللبناني.
وهذا على الرغم من تزايد اللبنانيين الزائرين للمخيّمين، ممن كانوا من «المستورين» قبل انهيار الليرة وأزمة البنوك وتدهور قدرة المرتبات والمدخرات، قاصدين أسواقهما الرخيصة، وخاضين في أوحال ما كان هامش اللجوء الفلسطيني منذ 1948 على الطريق إلى مطار بيروت الدولي.
للأسف لم ينجُ من هذه التحوُّلات محيط مقبرة شهداء فلسطين بشاتيلا، وإن لاحظت في شتاء 2023 كيف ما زالت تجمع بين الشهداء من أبناء فصائل منظمة التحرير كافة إلى جانب شهداء (حماس)، وصولا إلى صالح العروري ورفيقيه، يناير/كانون الثاني من العام نفسه، بالضاحية الجنوبية، مع شهداء تتجاوز شهرتهم ورمزيتهم الفصائل، كغسان كنفاني والسيدة بلقيس الراوي زوجة نزار قباني، وفي معنى تحتاجه أيضا مقاومة فلسطين وقضيتها اليوم يتجاور في المقبرة مسلمون ومسيحيون ومن أتباع بوذا (أبطال عملية اللد 1972 من الجيش الأحمر الياباني)، وبالطبع لم تكن لتخطئ العين أو تنسى الذاكرة النصب التذكاري لشهداء صابرا وشاتيلا، ومقبرة الحاج أمين الحسيني.
عودة الاهتمام بالمجزرة
الحقيقة أن مجزرة صابرا وشاتيلا وجدت اهتماما ووثقها كتابات صحفيين أجانب محترفين ومحترمين ويهود أحرار، وحتى ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية مثل أمنون كابِليوك صاحب الاستقصاء الميداني والأرشيفي المهم الصادر في كتاب «تحقيق في مجزرة صابرا وشاتيلا»، فضلا عن تقارير مهمة كالذي أشرف عليه الدبلوماسي الإيرلندي شون ماكبرايد مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، وتقرير رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية إسحاق كاهان، وجميعها أكد تورط القوات الإسرائيلية تماما في الإشراف على المجزرة.
عندما يُطالب الضحايا بالنسيان
بعد 21 عاما من المجزرة، وفي 2003، صدر من مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت كتاب للأكاديمية بيان نويهض الحوت بعنوان «صابرا وشاتيلا أيلول 1982» يوثق في 837 صفحة، وبروايات الشهود، لهول ما جرى، وهو ما وصفه تقرير ماكبرايد «بالإبادة الجماعية»، والخلاصة أن الإبادة الجماعية بغرض التهجير والمحو «الفلسطيني» فعل صهيوني يتكرر منذ 1948 («دير ياسين»)، مع الاستمرار في الإفلات من العقاب، بل والأخطر أن يصبح الضحايا مطالبين بأن ينسوا كل مرة، لتعود الكرة، وكأننا دون البشر، وفي القرنَيْن العشرين والحادي والعشرين نعيش بذاكرة الأسماك، ولنلاحظ أيضا أن جريمة الإبادة وتكرارها لليوم ومن 1948، وعلى مدى 77 عاما، لا تستجلبها بالضرورة مقاومة للاحتلال أو سلاح في مكان الجريمة، ولا تتكئ حُجج تبريرها على هجمات للمنظمة أو لـ(حماس)، وما يستحق الانتباه أن الإبادة المتكررة توغل في الدم والوحشية كلما غاب السلاح والمقاومون، والردع الإقليمي والدولي.
في ذكر ما كان:
ارتكب المجرمون مجزرة صابرا وشاتيلا بعد نحو أسبوعين من خروج مقاتلي منظمة التحرير وقيادتها من بيروت في 30 أغسطس/آب 1982، وانسحاب قوات حفظ السلام من لبنان في 11 سبتمبر 1982. استمرت المجزرة لثلاثة أيام، وتقدر جهود التوثيق الدولية والفلسطينية عدد الضحايا بما بين 1300 وما يقرب من 4000 شهيد. وتستغرق قوائم أسماء الشهداء الذين تم التعرّف إلى هوياتهم في كتاب بيان نويهض نحو 63 صفحة، بينما شغلت أسماء من تم توثيق اختطافهم وإخفائهم قسرا 80 صفحة، وبين هؤلاء وأولئك، إلى جانب الفلسطينيين واللبنانيين، سوريون ومصريون، علما بأن الصفحة الواحدة من الكتاب تستوعب نحو 17 اسما.
وتفيد تقارير الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك، التي صدرت ضمن كتاب عن تجربته بصفته مراسلا صحفيا مع اندلاع الحرب الأهلية «ويلات وطن»، أن الصليب الأحمر أحصى 3 آلاف قتيل راحوا ضحية المجزرة، التي أراد المجرمون الصهاينة التنصل من مسؤوليتها المباشرة بتوظيف عبارة «جوييم يقتلون جوييم فما شأننا نحن»، وكلمة «جوييم» تعني بالعبرية الأغيار، وتحديدا غير اليهود.
شارون الذي تفوّق عليه نتنياهو
لكن تقرير لجنة كاهان أجبر إرييل شارون، وزير دفاع/حرب المجزرة وغزو لبنان وحصار بيروت واجتياحها منذ يونيو/حزيران 1982، على الاستقالة بعدما أدانه بالتورط وحمله المسؤولية، وتتحفظ أرشيفات صحيفة الأهرام المصرية بتاريخ 21 يوليو/تموز 2001، على تغطية لمؤتمر صحفي بالقاهرة لمحامي الضحايا أمام القضاء البلجيكي «روك لارين»، بعنوان «شارون ارتكب أشد جريمة ضد الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية»، ويتعجب المرء اليوم عندما يلاحظ كيف جرى وأد مبادرة داخل نقابة الصحفيين المصريين لعقد محاكمة شعبية لمجرم إبادة غزة نتنياهو؟ وأن تلفّ الصمت والإسكات السؤال: لماذا تم إجهاض المحاكمة كغيرها من مبادرات مماثلة غير رسمية؟
ولا أعرف إن كان يحق في تفسير حالنا اليوم أن نستدعي كون شارون ظل ضيفا مرحبا به في عواصم عربية، بعدما عاد وزيرا في حكومات إسرائيلية ابتداء من 1984، وتوّج مسيرته في قمة السلطة رئيسا للحكومة، وذلك بالرغم من توصية رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية بألا يتولى مثل هذه المناصب بعد صابرا وشاتيلا، وذلك بعد اقتحامه للمسجد الأقصى مسجلا في التاريخ إسهامه في إشعال انتفاضة 2000.
دروس ورسائل
استعادة دروس صابرا وشاتيلا اليوم تقود إلى رسائل لا تحتمل اللبس لغزة، عاصمة مقاومة القرن الحادي والعشرين، لعل أهمها:
- لا تسلموا سلاحكم مهما كان.
- لا تأمنوا لوعود من واشنطن أو غيرها، ولو جاءت من أقرب الأشقاء والحلفاء والأمم المتحدة، فمن قبل صدّقت بيروت عاصمة مقاومة السبعينيات وحتى 1982 المبعوث الأمريكي اللبناني-العربي الأصل الدبلوماسي المحترف فيليب حبيب مع ضمانات الأشقاء، فكانت المجزرة. فما بالنا بالأكثر صهيونية وتطرّفا؟ رجل الأعمال شديد اليمينية ستيف ويتكوف ومن خلفه رئيسه العنصري الخارج على القانون، وفي سياق واقع إقليمي عربي أسوأ.
- لا تغادروا وتتركوا أهلكم وحاضنتكم الشعبية خلفكم.
- اعملوا سريعا على بناء وحدة وطنية مع كل من يقاوم، وتجاوزوا الحديث باسم فصيل مقاوم واحد.
