إسرائيل في عزلة.. هواء غزة النقي يحرّك العالم ويُعري الكيان

مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين ضد إسرائيل والمجاعة في قطاع غزة، التي أعلنتها الأمم المتحدة رسميًا
مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين ضد وضد العدوان الإسرائيلي على غزة (الفرنسية)

نداءاتُ الملثم إلى أحرار العالم وصلتْ إلى مستقرها ووجدت الآذان الصاغية. الشارع الإسباني يرفع المثلث الأحمر رمز الضربات الموفقة للمقاومة بما يمكن تأويله انخراطًا تامًا في المقاومة.
حيرة المواطن العربي الذي وُجِّه إليه النداء فخنس: هل يفرح بحماس الشارع الإسباني وانخراطه في معركة الحق أم يحزن لصمت العربي صاحب القضية؟ لنتجلد ونوسع زاوية النظر إلى أبعد من عواطف اللحظة. فالأمر جلل، وهو ليس أقل من تحول جذري في الرأي العالمي ينذر بما هو أبعد من التعاطف مع معركة جارية وفيها ضحايا أبرياء. لنقل – ولنبالغ قليلًا حتى يتبين الحق – إنها عملية تصحيح للتاريخ ضخت هواءً نقيًا في رئة العالم.

حقائق غير منكرة تثبتها الأرقام. تشير استطلاعات الرأي في عدة دول غربية إلى انخفاض كبير في تأييد إسرائيل بين الناس (نخبًا وجمهورًا). على سبيل المثال، أظهر استطلاع YouGov في عدة دول أوروبية أن نسبة من يرى إسرائيل بصورة إيجابية أصبحت ما بين 13–21٪ فقط، بينما بين 63–70٪ من الجمهور لديهم نظرة سلبية.
لقد قطعت خطوات سياسية ملموسة بعض الدول الأوروبية مثل دعوات لفرض عقوبات أو مراجعة الاتفاقيات التجارية مع إسرائيل، أو معاملة دبلوماسية أكثر تحفظًا، وسيكون يوم اجتماع الجمعية العامة يومًا مختلفًا حيث سيختبر الموقف الفرنسي والإنجليزي خصوصًا بعد إعلانهما الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين. ولقد سبقت بعض الدول قبلهما لتعترف رسميًا بفلسطين كجزء من التغير في السياسة التي تستجيب للضغط الشعبي والأخلاقي الذي فجرته مشاهد تدمير غزة ومذابح أطفالها.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

الأمر في الغرب يجري طبقًا لقواعد الديمقراطية (الغائبة عن الشارع العربي). فالحكومات في الديمقراطيات لا تستطيع تجاهل أصوات الناخبين، خاصة إذا كانت مواقف البلاد تجاه الصراع تُكلّف اقتصاديًا أو أخلاقيًا. يتحمس الرأي العام لقضية، وغالبًا ما يكون متأنٍّ ورصين ولديه أسباب وأدلة مقنعة تحركه (وفي حالة غزة أخذ عشرين شهرًا ليغير مواقفه ونراه يزيد في تعميق جذريته).
وحين يتغير الرأي العام، يزداد الضغط على الحكومات المنتخبة لاتخاذ مواقف أكثر تحفظًا. وهنا بدأت تظهر مشاريع قوانين للضغط على الكيان بإيقاف الدعم العسكري غير المشروط، أو فرض عقوبات، أو مراجعة اتفاقيات اقتصادية. وقد نشهد تشريعات عامة جديدة تُقيّد مبيعات الأسلحة للدول التي تُتَّهم بانتهاكات حقوق الإنسان، وقد تُفرض عقوبات على أشخاص أو وزارات بصيغ غير اسمية؛ فإذا طُبقت سنجد مجال تطبيقها الأول وربما الوحيد هو الحكومة الإسرائيلية ووزراؤها، وقد بدأ العداد يحسب في دول كثيرة.

نتوقع، بناءً على المشاهدات الجارية، أن هناك مرحلة مفصلية من التحولات مع حلول المواسم الانتخابية حيث تراعي الحملات السياسية (انتخابات محلية/برلمانية) توجهات الرأي العام الضاغط في قضية غزة، وسيكون موقف المرشح من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي من عوامل الحسم (نتابع عن قرب موقف اليسار الفرنسي). ولدينا سبق في حالة المرشح لمنصب عمدة نيويورك الذي فتح طريقًا واسعة رغم ضغط اللوبي الصهيوني لإقصائه؛ لقد تميّز بسبقه فنال أصوات جمهور يحميه ويدفعه قُدُمًا، بما في ذلك كتلة وازنة من أصوات اليهود الأمريكيين.

تغيير الثقافة العامة والإعلام


لكن التحول الأعمق ما نعاينه من تغيير في الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. لقد دخل الحق الفلسطيني ضمن حقوق الإنسان بعد أن كان نِسيا منسيًا. وانزاحت تهمة الإرهاب وقتل الأطفال عن المقاتل الفلسطيني لتصبح التهمة الأولى للكيان وحكومته. (أين نحن من فجر 8 أكتوبر والصور المفبركة عن أطفال بلا رؤوس؟)

في الغرب يلعب نجوم السينما والفن دورًا محوريًا في قيادة الجمهور؛ ففي حفل لندن لجمع التبرعات حضرت شخصيات لم يتوقع أكثر الحالمين أن تشارك في تغليب الحق الفلسطيني. وقد أحدث الحفل ضجة عارمة خرجت منه احتفالات أخرى ومشروعات تحركات عالمية مثل ما أعلنه الرياضي الفرنسي المتمرد إريك كانتونا من بدء حملة دولية لعزل إسرائيل عن دورات كرة القدم العالمية، والفيفا تعيش الآن تحت ضغط هائل وحديث؛ عدم تسييس الرياضة لم يعد ينطلي، فالموقف من عزل روسيا بعد غزو أوكرانيا راسخ في الذاكرة.

لقد قلب فيلم قصير (صوت هند رجب) جمهور السينما العالمي انقلابًا جذريًا. وهوليوود ليست جمعية خيرية. يمكن أن نضع تصورات واقعية لنتيجة خسارة الكيان لدعم هوليوود التي بنت له سردية عاشت قرنًا كاملاً. هذا الوعي الجديد الذي ينتشر بسرعة النار في الهشيم هو ما أجبر كارفور على الانسحاب من أسواق وازنة مثل إيطاليا. وهذه الشركات تحسب خسائرها بدقة عالية. ورغم أننا لسنا من المغرمين بحساب عدد المسلمين الجدد، إلا أن نقاشات طويلة تابعناها بدأت تتحدث عن مصدر الإرهاب الحقيقي في العالم؛ وهو ليس الإسلام.

مؤشر الأعمار الشابة في الشوارع


في أسطول الصمود العالمي وفي مظاهرات الشوارع الأوروبية استرعت أعمار المشاركين ملاحظاتنا المطولة. هناك جيل من الكهول لكن الغالبية الظاهرة شباب نرجّح أنهم في عمر الجامعة أو بدايات الحياة المهنية (العقد الثالث وبداية الرابع). هؤلاء بدوا كأنهم خرجوا فجأة من لا مكان لينخرطوا في قضية حارقة؛ لعلها أول اهتمامهم بالسياسة المحلية والعالمية من حولهم. هذه الأجيال التي هي جمهور الحفلات الموسيقية استجابت بشكل غير متوقع لشعار «يسقط جيش الدفاع» لذلك لا نراهم يقبلون الصورة الرومانسية الرائجة عن جيش دولة مظلومة من جيرانها الإرهابيين وجيشها الأرفع أخلاقًا بين الجيوش؛ ما هو إلا جيش دفاع.
لقد فتح هؤلاء الشباب أعينهم على جيش يتلذذ بقتل الأطفال والنساء. فكيف سيعيد هذا الجيش بناء صورته في ذهن هذه الأجيال التي ستقود بلدانها في المستقبل القريب؟ (طلبة جامعة إدنبرة الشهيرة يغادرون حفل التخرج لأن جامعتهم تتعاون مع جيش الدفاع ودولته). من سيرد هؤلاء الخريجين عن وعيهم الجديد بحقيقة ما يجري؟ في يوم قريب سيكونون مدرسين بنفس الجامعة وكوادر قيادية في المجتمع الإنجليزي والعالمي.

إن صورة نجم هوليوود ريتشارد غير يقف مع شاب مسلم ملتحٍ (لو ظهر أمامه قبل سنة لقال عنه قائد داعشي) ويتشاركان نفس الاهتمامات بدت صورة بالغة الخطورة على الكيان. صورة المسلم تقدم الآن لجيل الشباب بشكل جديد: المسلم الضحية المناضل سلميًا، لا المسلم القاتل. مسلمٌ بمايك لا مسلمٌ بكلاشنكوف (أين نحن من زمن نشر الرسوم المسيئة للرسول الأكرم؟ هل سيجرؤ أحد على ترويجها فضلا عن إعادة رسم ما يشبّهها؟).

تتفتّ السردية في كل مكان وفي كل ركح، والجيل الشاب يعيد تشكيل وعيه بطريقته الفذة في المسارح وفي ملاعب كرة القدم، ويتأهل بالقوة لقيادة بلدانهم في أمد منظور. هذا تغيير عميق وله أثر يبدأ الآن ولن ينتهي إلا بسقوط السردية إلى الأبد. تلك السردية التي قادت جيلين غربيين بعد الحرب العالمية الثانية ومكنت للعدو من رقبة العالم – إنها تنفك وتتلاشى، وهذا تفاؤل قائم على وقائع.

العالم يتنفس هواءً نقيًا.


ما زالت للكيان جولات سيستخدم فيها قوته المالية الهائلة، وسيواجه بالضغط المالي عزلة دبلوماسية تتوسع بسرعة. ستكون هناك دولة فلسطينية «على الورق» على مكاتب الدبلوماسية العالمية. وستجد الدول التي تنافق شعوبها وتنافق الفلسطيني بمثل هذه الاعترافات معضلةً أمام شعوبها أولًا ولن تجد مفراً من مواجهة ثمن الاعتراف. فإذا بلغت دولة أوروبية مبلغَ التمرد على شركة صهيونية تشتري الانتخابات وتوجّهها بالمال (كما في حالة بعض الحكومات القائمة) فإن تمردًا واحدًا سيكون فاتحة تخلص من ضغط هائل أفسد كل ديمقراطيات أوروبا. (عرب شمال إفريقيا المتابعين من قريب للديمقراطية الفرنسية يعرفون أن رئيس فرنسا يختاره اللوبي المالي الصهيوني في فرنسا مثل أي رئيس جمهورية موز في إفريقيا).

هذا الهواء النقي في رئة العالم فاحَ من غزة بثمن مكلف وآلام لا تُشفى بسهولة، ولكن يحرقنا سؤال أشد ألمًا: متى يصل هواء غزة إلى إخوة غزة القريبين منها في الجغرافيا والعقيدة؟ لقد وصلت نداءات الملثم إلى أطراف الأرض فسمعتها واستجابت، لكنها عبرت فوق إخوة غزة فدفنوا رؤوسهم في التراب. يلازمنا عار تاريخي لن يخفف منه حماسنا في قراءة شوارع أوروبا الحرة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان