بين وعدي بلفور وستارمر.. حلم فلسطيني يأبى النسيان

إعلان بريطانيا اعترافها بالدولة الفلسطينية، رغم أنه عمل رمزي حتى الآن، إلا أنه يحمل دلالات خاصة تميزه عن غيره من الاعترافات الدولية التي توالت مؤخرا، والتي رفعت نسبة المعترفين في الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى ثلاثة أرباع دول العالم.
قيمة الإعلان البريطاني، أو ما يمكن وصفه بوعد ستارمر، رئيس الوزراء، أنه يصدر من الدولة التي صنعت وشرعنت كارثة الاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين، عبر وعد بلفور، وزير الخارجية البريطاني عام 1917، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والذي وُصِف في حينه بأنه “وعد من لا يملك لمن لا يستحق”، لكنه على كل حال كان هو الأساس لإقامة الكيان الصهيوني على حساب فلسطين، وهو الأساس الذي استندت إليه الوكالة اليهودية التي تأسست في العام 1922 لإدارة فلسطين بالتعاون مع الانتداب البريطاني في المسائل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وشراء الأراضي كملكية عامة لليهود، وتطوير حجم الهجرة اليهودية، وتشجيع الاستيطان الزراعي.
وحتى في التفاعل مع الاعتراف البريطاني كان الأمر مختلفا.. احتفالات في لندن..تحديث الخرائط البريطانية لتظهر عليها دولة فلسطين، رفع علم فلسطين على مقر البعثة الفلسطينية في لندن، والتي ستصبح سفارة كاملة في بريطانيا، كما في غيرها من الدول التي اعترفت مؤخرا، وصاحب ذلك في فرنسا رفع الأعلام الفلسطينية على 52 بلدية فرنسية.
اعتراف مؤلم للكيان
كان الاعتراف البريطاني هو الأشد إيلاما للكيان الصهيوني، ولذا فقد عمد ستارمر إلى مخاطبة الإسرائيليين مباشرة عبر مقال في صحيفة يديعوت أحرونوت بعنوان لماذا اعترفت بالدولة الفلسطينية حاول خلاله تهدئة مخاوفهم، مؤكدا أن الاعتراف ليس مكافأة لما وصفه “إرهاب” حماس التي لن تكون جزءا من الحكومة الفلسطينية، وأنه لا يمكن إحراز تقدم نحو السلام والتطبيع دون الاعتراف بدولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، وأن الاعتراف ليس فقط دعمًا لمبدأ الدولتين، بل هو أيضًا رفضٌ لمن وصفهم بالمتطرفين الذين يحلمون بتدمير دولة إسرائيل، ولمن يسعون إلى تهجير السكان الفلسطينيين!!.
الاعتراف البريطاني ضمن 150 دولة، يظل عملا رمزيا، لأنه لا يستطيع إقامة الدولة الفلسطينية فعلا، حتى لو اعترفت بها 191 من الـ 193 دولة (باستبعاد الولايات المتحدة والكيان نفسه)، حيث تحتاج إلى موافقة مجلس الأمن الذي يقف الفيتو الأمريكي سدا منيعا فيه أمام كل العالم، علما بأن واشنطن وحدها بين الخمسة الكبار أصحاب الفيتو التي لم تعترف حتى الآن، رغم أنها كانت تتبناه في عهود الرؤساء السابقين، ويزعم ترامب أن الاعتراف هو مكافأة لحماس، وأنه مضر بجهود السلام!!.
ضغط على الكيان وحماس
المظاهرة الدولية في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول “حل الدولتين” والتي قادتها فرنسا والمملكة السعودية، وخطب فيها زعماء العالم مؤكدين في غالبيتهم العظمى دعمهم لهذا الحل، وسبقها مؤتمر بالاسم ذاته في يونيو/حزيران الماضي، هي بمثابة ضغط على الكيان الصهيوني لوقف حربه في غزة والسماح بالإغاثة وإعادة الإعمار، ووقف زحف المستوطنات، مقابل الضغط على حماس لتسليم الأسرى الإسرائيليين، وحرمانها من المشاركة في حكم غزة لاحقا، مع نزع سلاحها، وهو ما ترفضه حماس بالتأكيد قبل إقامة الوطن كامل السيادة.
لم تأت بريطانيا وبقية الدول التي اعترفت بدولة فلسطين بجديد، وما فعلته هو محض إحياء لمشروع ولد في المكان ذاته، وأقصد الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، عبر قرار التقسيم رقم 181، والذي قسم أرض فلسطين بين أصحابها والإسرائيليين، لكن هذا القرار مات وشبع موتا، مع توالي الانتكاسات العربية، في حروب 48، و56، و67، والاعتداءات، والاجتياحات الإسرائيلية المتتالية لغزة والضفة الغربية، وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية، التي لم يتبق منها سوى 13% في حين يسيطر الكيان على 87% ويحاول الآن قضم المزيد بحيث لا يتبقى مكان لإقامة دولة فلسطينية حسبما تعهد نتنياهو.
المصداقية تحتاج إجراءات
حل الدولتين هو الذي قامت عليه بالأساس اتفاقية أوسلو عام 1993، وكانت البذرة المفترضة لها هي سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني التي اتخذت من رام الله مقرا لها، وكان من المفترض أن تتطور وفق جدول زمني إلى دولة فلسطينية كاملة السيادة، صفق العالم في حينه لاتفاقية أوسلو، ومنح رابين وبيريز وعرفات جائزة نوبل للسلام، لكن هذا العالم – وعلى رأسه الولايات المتحدة التي كانت راعية لتلك الاتفاقية، وأيضا بريطانيا صاحبة وعد بلفور- وقف مكتوف الأيدي أمام تعنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ورفضها تنفيذ ما تبقى من الاتفاقية، ثم وقف مشلولا تماما أمام نتنياهو الذي أعلن بكل فجاجة رفضه لمبدأ حل الدولتين بشكل تام، وها هو يدمر ما تبقى من غزة، ويستعد لضم الضفة لوأد هذا الحل تماما.
لتثبت بريطانيا وبقية الـ 150 دولة المعترفة بالدولة الفلسطينية مصداقيتها، عليها أن تتخذ إجراءات عقابية عملية ضد الكيان الصهيوني الذي يواصل عدوانه على الدولة الفلسطينية التي اعترفوا بها، بينما في الواقع هناك الكثير من هذه الدول، وخاصة الغربية منها لا تزال تقدم السلاح والمساعدات للكيان، والذي يستخدمها في إجرامه بحق الشعب الفلسطيني.
الطوفان أحيا الحلم
رغم تنديد بريطانيا وغالبية الدول التي تحدث زعماؤها في جلسة الجمعية العامة بحركة حماس، وطوفان الأقصى، إلا أن الحقيقة الواضحة أن هذا الطوفان هو الذي دفعهم لإحياء حل الدولتين، والذي كان قد مات قبل الطوفان، وحل محله قبول إقليمي ودولي برؤية نتنياهو التي ترفضه تماما، بل حل محله أيضا تهافت عربي للتطبيع مع الكيان دون إصرار على إقامة الوطن الفلسطيني.
على مدى 77 عاما لم يتخل الفلسطينيون عن حلمهم في إقامة وطن مستقل، ورغم كل الانتكاسات التي مرت بها القضية، والخذلان العربي والدولي، إلا أن الحلم ظل حيا يأبى النسيان، وسيستمر كذلك حتى يتحقق، فما ضاع حق وراءه مطالب.
