“تريند” الاعتراف.. لتأسيس دولة أم لإبراء الذمم

بلفور (منصات التواصل)

على يد سياسي ملحد، لا يؤمن بوجود الله وفي حلقة من صراع ممتد منذ عقود يتشابك فيه الدين والسياسة والثقافة، جاء اعتراف بريطانيا إمبراطورية الاستعمار القديم بدولة فلسطين التي تتوارى أرضها وتنزوي من قطاع غزة المنكوب إلى الضفة الغربية بين دبابات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنات، عبر مساحات مقطعة الأوصال ومعدومة الوصال تشكل في الواقع دولة افتراضية بلا حدود، ولا سلطة ولا سيادة.
اعتراف حكومة ملك إنجلترا تشارلز الثالث جاء متأخرا بعد مائة وثمانية أعوام من وعد شهير قطعه “جيمس آرثر بلفور”، وزير خارجية بريطانيا – التي كانت عظمى- ليهود العالم في الثاني من نوفمبر 1917 بإنشاء وطن قومي يجمع شتاتهم على أرض فلسطين التاريخية.
الأوضاع المأساوية واللاإنسانية وعدد الشهداء والجرحى في غزة منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 أطلقت موجة اعتراف بالدولة الفلسطينية، خاصة في أوروبا التي تمنعت ثم تلكأت دولها في اتخاذ هذه الخطوة.
ومن بين كل الدول يجب التوقف عند المملكة المتحدة باعتبارها الدولة الأهم بين ما يمكن وصفه بـ”تريند” الاعتراف بفلسطين، كونها صاحبة أسوأ تاريخ استعماري في العالم وصاحبة النصيب الأكبر في التواطؤ مع جريمة اغتصاب أرض فلسطين لصالح إنشاء دولة لليهود.

ليس مفاجئا

لم يكن “كير ستارمر”، رئيس الوزراء البريطاني، مرتاحا للتأييد المتنامي لحقوق الشعب الفلسطيني بين أروقة حزب العمال، وهو في المعارضة، وكذلك لاتهامات بمعاداة السامية لكنه خلال حملته الانتخابية في النصف الأول من عام 2024 واجه الانتقادات التي طالت حزب العمال حول معاداة السامية في عهد رئيسه السابق “جيريمي كوربن”، وبفضل توازنه وعلى خلفية زواجه من “فيكتوريا الكسندر” ذات الأصول اليهودية تمكن من تجاوز الانتقادات التي واجهت سلفه.
ولترويض التيار المؤيد للحقوق الفلسطينية، في حزبه وبين الجمهور العام والمستقل وعد “كير ستارمر”، زعيم حزب العمال، بالاعتراف بفلسطين قبل الانتخابات العامة التي جرت في يوليو 2024 ولم يتعهد ستارمر باعتراف فوري بدولة فلسطين إذا فاز، لكنه قال إن حزب العمال “ملتزم بالاعتراف بدولة فلسطينية في توقيت مناسب كجزء من عملية سلام عادلة تؤدي إلى حل الدولتين”.
بعد أن دلف إلى مقعد رئيس الحكومة انحنى ستارمر أمام عاصفة من الرأي العام البريطاني والدولي هبت مع رائحة الدم والوجع اللذين يستبقان من ركام غزة.
وعلى خلفية تدهور الأوضاع في غزة والضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار وفي يوليو الماضي أعلن “ستارمر”، رئيس الوزراء البريطاني، أن بلاده ستعترف بالدولة الفلسطينية خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الجاري إذا لم تغير إسرائيل سياستها لكن الدولة العبرية استغلت ضعف رد فعل العالم أمام انتهاكاتها للقانون الدولي وصعدت من جرائمها بحق الفلسطينيين.

خيانة عميقة لكنها غير مؤثرة

اعتراف الحكومة البريطانية بفلسطين أدى إلى جدل داخلي حاد أثارته بالطبع الأوساط اليمينية والمحافظة في الإمبراطورية السابقة التي تعهدت ورعت إنشاء دولة الكيان الصهيوني. ففي افتتاحية هجومية على “ستارمر” وصفت صحيفة “تليغراف” ذات التوجه اليميني اعتراف الحكومة بأنه “خيانة لإسرائيل تُخجل بريطانيا” واعتبرت أن هذه الخطوة “وصمة عار” تمثل انحرافاً خطيراً في السياسة الخارجية البريطانية سيمكن حركة حماس من التأكيد أن اللجوء للعنف يمكن أن يؤتي ثماره، لكن الصحيفة التي تعتبر منبرا لحزب وتيار المحافظين أشارت بوضوح إلى أن هذا الاعتراف سيضعف أيضا فرص التوصل لسلام.
“إيفرايم ميرفيس”، الحاخام الأكبر في المملكة المتحدة، عبّر عن معارضته الشديدة لقرار الاعتراف بدولة فلسطين، ووصفه بأنه “خيانة عميقة” لإسرائيل وسعيها للعيش بأمان بعيدا عما يعتبره “الإرهاب الفلسطيني” وأنه يُقدم لحركة حماس مكافأة عن العنف، مما يضر بعملية السلام كما يرى.
وبرغم موقفها الداعم للقضية الفلسطينية فإن افتتاحية صحيفة “الإندبندنت” البريطانية قللت أيضا من أهمية هذه الخطوة واعتبرتها رمزية مشيرة إلى عدم اكتراث الولايات المتحدة بالخطوة البريطانية التي تمت بالتنسيق مع كندا وأستراليا والتي جاءت بعد اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية.
الصحيفة الرصينة التي عرفت باهتمامها وتغلغلها وفهمها لشؤون منطقة الشرق الأوسط ودائما ما كان لديها مراسل مقيم أو متجول بين دول المنطقة قالت بوضوح إن “الاعتراف لا يُغير شيئاً على الأرض، فلا توجد حدود واضحة، ولا عاصمة، ولا حكومة موحدة للفلسطينيين”.

داخل إسرائيل

في داخل الكيان الصهيوني تباينت الآراء كذلك كالعادة بين اليمين واليسار حول موجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهناك تباين واضح ومع ذلك فبينهما خيط مشترك وهو التقليل من أهمية الخطوة في الواقع العملي.
الصحفي الإسرائيلي “جدعون ليفي”، دائم الانتقاد لسياسات الاحتلال الإسرائيلي ولتوجهات “بنيامين نتنياهو”، رئيس الوزراء المتطرف، لدرجة أن “ليفي” متهم من اليمين الإسرائيلي بأنه مجرد بوق لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حيث يرى “ليفي” أن هذا الاعتراف خاصة من جانب الدول الأوروبية “بديل مضلل” لجأت إليه لسببين أولهما: داخلي لتهدئة المجتمعات الغاضبة، من بشاعة الصور القادمة من غزة التي تفضح الأوضاع هناك، والثاني خارجي لأن هذا الاعتراف مكافأة لإسرائيل بدلا من التزام المجتمع الدولي بالمعاقبة الحقيقية لها على ارتكاب جرائم حرب في غزة، ويثير الصحفي الذي تجاوز السبعين الشكوك أن هذا الاعتراف سيكون له تأثير في تغيير أو وقف المعاناة فعليا في غزة.
النتيجة نفسها استنتجتها صحيفة “جيروزاليم بوست”، حاضنة التوجهات اليمينية في إسرائيل، حيث قالت قاطعة إنه بإمكان “أستراليا وكندا وبريطانيا قول ما يشاؤون، لن تقوم دولة فلسطينية بدون رضاء إسرائيل”، وكذلك اعتبر “أريئيل كهانا”، مراسل “يسرائيل هيوم”، أن هذه الخطوة “مهينة” لكنها “ليست تهديدا استراتيجيا” و”لن تغير شيئًا عمليا” إذ إن اعتراف أكثر من 146 دولة بفلسطين منذ عقد لم يحدث أثرا ملموسا على الصراع وكذلك موجة الاعترافات الأخيرة لن تؤتي ثمارها عمليا فهي إجراء رمزي لكن التهديد الحقيقي الذي حذر منه “كهانا” يكمن في نية الاتحاد الأوروبي تجميد اتفاقياته التجارية مع إسرائيل، وهو ما قد يضر باقتصادها ويضعف القدرة على تمويل الجيش.

الاتفاق غير الودي

يتفق اليمين واليسار – دون ود- في الدولة التي صنعت مأساة فلسطين (بريطانيا) وكذلك في الكيان الغاصب الذي هو صنيعة الاستعمار (إسرائيل) على أن الاعتراف بدولة فلسطين خطوة رمزية لا قيمة فعليا لها على الأرض وهي تخفيف لضغط الشعوب الغاضبة وحركات حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الإغاثية، لكنها ستظل خطوة رمزية شكلية ودعائية ليس أكثر دون اتخاذ إجراءات عملية لإجبار إسرائيل على تنفيذها، وستظل بيانا خطابيا دون خطوات ملموسة لتأسيس دولة فلسطينية متصلة جغرافيا قابلة للحياة والاستمرار، وسيصبح الاعتراف بدولة فلسطين مجرد إبراء غير كاف للذمة أمام آلة القتل الصهيونية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان