مسجد استوكهولم الكبير.. ربع قرن من العطاء والبناء

مسجد استوكهولم (الجزيرة مباشر)

احتفل مسجد استوكهولم الكبير مؤخراً بيوبيله الفضي، مستعيدًا مسيرة خمسة وعشرين عامًا جمعت بين العبادة والعمل المجتمعي، وبين تحديات صعبة وآفاق رحبة من الأمل. فمنذ افتتاحه عام 2000، تجاوز دوره كمسجد لأداء الصلاة، ليصبح مؤسسة دينية وثقافية واجتماعية تجسّد حضور المسلمين في السويد، وتبرز مساهماتهم في الحياة العامة.
لم يكن افتتاح المسجد في قلب العاصمة السويدية حدثًا عابرًا أو مجرد إنجاز معماري مميز، بل كان إعلانًا عن وجود مؤسسي رسمي للمسلمين في بلد يناهز عددهم فيه المليون نسمة – بحسب إحصاءات غير رسمية. يؤكد الشيخ محمود الخلفي، مدير المركز الإسلامي ومسجد استوكهولم الكبير، أن “هذا الصرح لم يكن ليرى النور لولا جهود كبيرة وتعاون مثمر مع السلطات المحلية”. ومنذ ذلك الحين أصبح المسجد قبلة للعبادة، ومنبرًا للحوار، وفضاءً يخدم الناس، ويجسد رسالة الإسلام السمحة في مجتمع متعدد الثقافات.

دور يتجاوز حدود المسجد

يقوم المسجد بدور محوري في حياة المسلمين، فيقدم خدمات أساسية مثل إبرام عقود الزواج والطلاق، ومعالجة المشكلات العائلية، وتقديم الاستشارات القانونية. كما يحتضن حلقات لتحفيظ القرآن الكريم، ودروسًا في الفقه والثقافة الإسلامية، ولقاءات حوارية مفتوحة مع الشباب. ولم يغفل القائمون عليه أهمية الانفتاح على غير المسلمين، فخصصوا لهم جلسات للتعريف بالإسلام، واستقبلوا وفودًا مدرسية وجامعية. وهكذا صار المسجد عنوانًا لمشاركة إيجابية، وكسرًا لصور نمطية سلبية عن المسلمين.
وخلال الاحتفال، أكد ممثل السفارة الجزائرية أن المسجد يسهم في “ترسيخ العلاقات بين المسلمين أنفسهم، ثم مع المجتمع السويدي والسلطات الرسمية”، داعيًا إلى مواجهة خطاب الكراهية عبر “التمثيل الأخلاقي للإسلام في الحياة اليومية، والمشاركة الفاعلة في المجتمع”.

المساجد.. محاضن آمنة

ولا يقتصر هذا الدور على مسجد استوكهولم الكبير وحده؛ فالمساجد في مختلف المدن السويدية تمثل ملاذًا آمنًا للأسر، وتؤدي دورًا مهمًا في حماية المجتمع من خلال استيعاب الشباب وتوعيتهم بمخاطر الجريمة والمخدرات، وتقديم برامج بديلة تعزز اندماجهم الإيجابي. ولهذا غدت المساجد عاملًا رئيسيًا في دعم الأمن الاجتماعي وصون الأسرة المسلمة واستقرار المجتمع.

شهادات من الداخل

أحمد (22 عامًا)، طالب جامعي من أصول مهاجرة، يقول: “كنت في مرحلة مراهقتي أبحث عن مكان أنتمي إليه، فوجدت في المسجد ما منحني أصدقاء جددًا، وزاد ثقتي بنفسي، وأبعدني عن رفقة سيئة كانت ستقودني للانحراف”.
أما سارة (19 عامًا)، ناشطة متطوعة، فتؤكد: أن “المسجد لم يعلمني فقط الحفاظ على هويتي الدينية، بل علمني أن أكون مواطنة مسؤولة. نحن نشارك في أنشطة مع مؤسسات ومدارس، وهذا يجعلنا جزءًا طبيعيًا من المجتمع السويدي”.

بين خطاب الكراهية وإثبات الوجود

بعد مرور ربع قرن على التأسيس، يعيش المسلمون في السويد واقعًا مركّباً؛ فبينما يعملون على الاندماج الإيجابي في مختلف نواحي الحياة، يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها صعود اليمين المتطرف بخطابه الإقصائي والعنصري، وصولًا إلى الدعوة لإغلاق بعض المساجد أو منع بناء أخرى جديدة، بدعوى أنها تهدد القيم السويدية. ترافق ذلك مع حملات إعلامية ممنهجة صورت المسلمين كخطر على المجتمع.
وقد ردّ رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترشون على هذه الدعوات مؤكدًا أنها “تفتقد الاحترام وتزيد الانقسام”، بينما وصفت زعيمة المعارضة مجدلينا أندرسون هذا الخطاب بأنه “معادٍ للإسلام” ودعت إلى وقفه. كما استنكرت مكونات مدنية ودينية أخرى هذه التصريحات.
لكن الأمر لم يتوقف عند الخطاب؛ فقد شهدت السويد اعتداءات طالت بعض المساجد وتهديدات واستفزازات استهدفت روادها وأئمتها، كان أشدها استفزازًا حرق نسخ من المصحف الشريف صباح عيد أمام مسجد استوكهولم الكبير. يقول الشيخ الخلفي: “إن إدارة المسجد تعاملت مع هذه الاعتداءات عبر إبلاغ الشرطة وتعزيز الأمن وملاحقة الجناة قانونياً، مع الإصرار على عدم الخضوع للترهيب، ومواصلة الانفتاح على المجتمع”.

شراكات راسخة وحضور وطني

رغم التحديات، نجح مسجد استوكهولم الكبير في ترسيخ مكانته كمؤسسة إسلامية سويدية فاعلة، عبر شراكات واسعة مع الكنيسة السويدية والبلديات ومنظمات المجتمع المدني. ومن أبرز هذه المبادرات تأسيس “مجلس الأديان” بالتعاون مع الكنيسة وأطراف أخرى، ليكون منصة للحوار والتواصل بين مختلف مكونات المجتمع.
كما عزز المسجد مشاركة الشباب والنساء في لجانه، وأصبح حاضرًا بقوة في المناسبات الوطنية، ما جعله طرفًا أساسيًا في النسيج الاجتماعي للسويد.

رسالة اليوبيل الفضي

في ذكرى مرور 25 عامًا على تأسيسه، يوجه مسجد استوكهولم الكبير رسالته إلى المسلمين عامة، والشباب خاصة: “السويد وطنكم، فشاركوا في الحياة العامة، وتعلموا وأبدعوا، ولا تسمحوا لخطاب الكراهية أن يسرق منكم الأمل أو يدفعكم للانعزال”.
أما رسالته إلى المجتمع السويدي فهي: “فلنعمل معًا كجيران وأصدقاء لمحاربة التعصب والكراهية، وبناء مجتمع قوي يقوم على الاحترام والحرية والمساواة. فالإسلام في السويد ليس تهديدًا، بل فرصة لتعزيز التماسك والتعدد”.

 

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان