سوريا بين إرث الحرب وتحديات الإعمار

إن الحكاية السورية حكاية تهيج فيها المشاعر، ويختلط فيها الألم بالأمل.. إن الحكاية السورية حكاية صراع بين الخير والشر، وبين الحق الضعيف الذي ليس له ناصر إلا الله، والباطل القوي الذي يملك كل أدوات القتل والتدمير.. إن حكايتنا عبرة من عبر التاريخ، وتمثيل حقيقي للمعاني الإنسانية النبيلة في هذه المعركة الأزلية بين الحق والباطل”
بهذه الكلمات بدأ الرئيس السوري أحمد الشرع خطابه التاريخي في الأمم المتحدة، وبهذه المشاعر بدأت زيارتي لسوريا..
رحلة مختلفة
لسنوات طويلة لم نكن نسمع عن سوريا إلا عبر نشرات الأخبار: قصف، ودمار، وبراميل متفجرة. وحين جاءتني الدعوة للمشاركة في مؤتمر “سكريبت” الذي نظمته وزارة الإعلام السورية للمؤثرين العرب للتعرف إلى سوريا عن قرب، شعرت أنني مقبل على رحلة مختلفة، إلى بلد غاب عن أعيننا طويلا ولم يبقَ في ذاكرتنا عنه سوى صور الخراب. تساءلت: كيف سيكون مطار دمشق؟ وكيف يعيش الناس بعد كل ما مرّ بهم؟ هكذا بدأت الرحلة، ومعها بدأت حكاية مشاهد وانطباعات تستحق أن تُروى.
كان أول ما تبادر إلى ذهني حينها أنني ذاهب إلى بلد لم أسمع عنه طول السنوات الماضية إلا عبر مآسيه في نشرات الأخبار: وحكايات ألمه التي لا تنتهي.
المفاجأة
المفاجأة الأولى كانت في المطار نفسه، حيث لمست تعاونا وروحا طيبة، ورسالة واضحة بأن سوريا اليوم تريد أن تُظهر وجها جديدا يختلف عن الصورة القديمة التي ترسخت في الأذهان. كان في داخلي شوق دفين لم أكن أتوقعه، مشاعر اختلطت بين الحزن والأمل، وكأن لسان حال البلد يقول: بلادنا لنا، رغم البعد والقسوة.
خلال الزيارة، تجولت في دمشق وحلب وحمص وإدلب. في كل مدينة كان الزمن وكأنه توقف عند العام 2005: لا نمو، لا بناء، لا عمران. أين هي سوريا التي كان يحكمها بشار الأسد ويُسوّقها كدولة “الممانعة”؟ الحقيقة أن البلد في أغلبه قديم ومتعب، لا خدمات حديثة، ولا شوارع تُشبه القرن الواحد والعشرين.
دمشق العاصمة ما زالت تحتفظ بشيء من هيبتها، لكنك تشعر أن الزمن يسير فيها ببطء شديد. في حلب، كل شارع جرح مفتوح يحكي قصة حرب لم تنتهِ بعد. وفي حمص وقفت عند مسجد خالد بن الوليد، ورأيت ما حوله من دمار، حتى بعض أجزاء المسجد المرمم تحكي مأساة القصف، وهناك فقط تلمس حديث الناس عن أمل إعادة الإعمار وكأنه الخيط الوحيد الذي يربطهم بالغد. أما إدلب فكانت مختلفة، فهي المحطة التي انطلق منها الثوار للتحرير الكامل، حيث تختلط فيها مشاعر الثورة بالمرارة وتبقى شاهدة على التضحيات.
من أكثر المواقف التي علقت في ذهني، لقائي بسائق فلسطيني قال لي: “كنا نعيش في ذل قبل التحرير، لدينا كروت تحدد مساراتنا وبطاقات تقيّد حركتنا. فإذا كان هذا حال الفلسطيني، فما بالك بالسوريين أنفسهم؟” هذه الكلمات وحدها كفيلة بأن تُسقط كل شعارات النظام حول “دعم القضية الفلسطينية”، خصوصا أن بشار الأسد لم يطلق قذيفة واحدة على الاحتلال، حتى بعد اندلاع “طوفان الأقصى”.
إعادة البناء
كل السوريين الذين التقيتهم كانوا يتحدثون عن إعادة البناء، أحد الأصدقاء المرافقين لي لم يزر سوريا منذ 15 عاما ولم يُخفِ صدمته من حال المدن. سوريا اليوم تحتاج إلى انفتاح، وتحتاج قبل كل شيء إلى سواعد أبنائها. وهنا رسالتي لأبناء الثورة: لا تقعوا في الخطأ الذي وقعنا فيه في مصر، الفرقة بين الثوار هي التي أضاعت مكتسبات الثورة المصرية، فاحرصوا أن تغلّبوا مصلحة الدولة على المصالح الحزبية الضيقة. في وقت المغنم تراجعوا، وفي وقت البناء تقدّموا، فالوطن أهم من الكراسي والمناصب.
النظام الجديد في سوريا، أيًا كان شكله، سيرث دولة بلا مؤسسات، وهذا يعني سنوات طويلة من الجهد المضني لبناء دولة حديثة من الصفر.
مؤتمر “سكريبت” كان فرصة للتلاقي مع شباب صناع المحتوى من مختلف الدول العربية. شعرت أن هذا الجيل لديه الحماسة والطاقة، لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال من النظرية إلى التطبيق، من الكلام إلى العمل. وسوريا في قلب هذا التحدي، إذ عليها أن تخوض معركتها الأكبر: معركة البناء في الداخل، والمواجهة مع إسرائيل في الخارج.
ورغم كل ما رأيته من ألم ودمار، خرجت من سوريا بقناعة راسخة أن هذا البلد، الذي قاوم كل شيء، لا بد أن ينهض يوما من تحت الركام.
