من ترامب إلى ميرتس.. هل تظل الصحافة تفضح وتواجه بلا خوف؟

التوبيخ المتبادل بين الصحفيين ورؤساء الجمهوريات، أو بمعنى أدق الأسئلة المحرجة التي يوجهها الصحفيون وتُقابل بالتهكم والغيظ من قبل القادة، ظاهرةٌ باتت مألوفة في المشهد السياسي. وأكثر من تميز بها هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يتوانَ عن شن الهجوم على الشبكات الإعلامية أو الصحفيين كلما لم تعجبه أسئلتهم.
آخر هذه المواقف حدث قبل أيام قليلة، عندما دخل ترامب في جدل واضح مع صحفي أسترالي طرح عليه سؤالاً يتعلق بكيفية إدارة أعماله الخاصة كرجل أعمال، وتعارض ذلك مع إدارته لشؤون الحكم في البيت الأبيض. أجاب ترامب قائلاً إن أبناءه هم من يتولون إدارة مؤسسته، لكنه باغت الصحفي بسؤاله عن موطنه، ثم استطرد قائلاً: “أنت تُلحق الضرر بأستراليا بشدة الآن، إنهم يريدون التوافق معي. سيأتي زعيمك لرؤيتي قريبًا، وسأخبره عنك… أنت تتحدث بنبرة سيئة جدًا.” وعندما حاول الصحفي الرد أشار إليه ترامب بالصمت وانتقل إلى صحفيين آخرين.
ميرتس الكسول
وفي ألمانيا، شهدت القناة الأولى قبل أيام نقاشًا ساخنًا حول سياسة المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس، حيث وبَّخ الصحفي الألماني المخضرم هانس-أولريش يورغس المستشار ونعته بـ”ميرتس الكسول”، متفقًا بذلك مع أغلبية الشعب الألماني التي تصل نسبتها إلى 70%، وترى أن حصيلة حكومة ميرتس بعد مرور خمسة أشهر على توليه الحكم هزيلة. ووجه يورغس انتقادات لاذعة لخطاب ميرتس الأخير أثناء مناقشة الميزانية العامة في البرلمان، واصفًا إياه بالخطاب المترهل والعشوائي، وحكم عليه بأنه غير قادر على أداء المهمة وفاقد للثقة.
لكن في دول العالم الثالث يختلف الأمر تمامًا، إذ لا يُسمح للصحفيين بانتقاد الرؤساء أو توبيخهم بسبب أخطاء سياسية أو وعود لم تُنفذ، بل إن دور الصحافة المقرَّبة من الحاكم يقتصر غالبًا على إيجاد المبررات الدائمة لتغطية تلك الأخطاء. أما الصحفي الذي يتمادى في النقد فمصيره يكون النفي أو السجن. من الأمثلة التي تتكرر كثيرًا في مثل هذه الدول، ما حدث عام 2019 عندما وجهت الصحفية كريستيان أمانبور من شبكة “سي إن إن” سؤالاً لوزير الخارجية الإيراني آنذاك محمد جواد ظريف حول كيفية تبرير الحكومة الإيرانية لقمع المظاهرات الأخيرة، وما إذا كانت ستحاسب المسؤولين عن قتل المتظاهرين. تهرَّب ظريف من الإجابة المباشرة مكتفيًا بالقول: “إيران دولة قانون”، وهو ما زاد من حرج الحكومة أمام المجتمع الدولي.
القضاء ينصف الصحافة
استمالة الصحفيين تظل وسيلة شائعة، خاصة في العالم الثالث، لكن الصحفي المحقق الذي يضع مهنيته فوق أي اعتبار يبقى محل إعجاب حتى لو تعرض للمضايقات. فقد رفع ترامب عدة دعاوى قضائية ضد شبكات إعلامية وصحفيين، مثل صحيفة “دي موين ريغستر” والصحفية جيه سيلزر، بسبب نشرهما استطلاع رأي خلال السباق الانتخابي أظهر تقدُّم هاريس على ترامب. ولا تزال هذه القضايا مستمرة حتى الآن، غير أن الصحيفة أكدت أن اعتمادها على استطلاعات رأي دقيقة لا يغير من الحقيقة شيئًا، ولا يفرض عليها الرضوخ لإملاءات ترامب.
كما تعرضت وكالة “أسوشيتد برس” للمنع من التغطية داخل البيت الأبيض بسبب رفضها استخدام تعبير “خليج أمريكا” بدلًا من “خليج المكسيك”، وهو المصطلح الذي أصر ترامب على اعتماده رسميًا في الإعلام الأمريكي. وفي 8 إبريل الماضي حكم قاضٍ في المحكمة الجزئية الأمريكية لصالح عودة الوكالة إلى التغطية من داخل البيت الأبيض، رافضًا قرار ترامب، ومؤكدًا أن الحظر ينتهك حقوق الوكالة بموجب التعديل الأول للدستور الأمريكي. ومع ذلك أعلنت إدارة ترامب أنها ستستأنف الحكم.
وينص الدستور الأمريكي، من خلال التعديل الأول، على حماية الحريات الأساسية للدين والتعبير والصحافة، لذلك يصطف المدافعون عن حرية التعبير استنادًا إلى الدستور في مواجهة حملة ترامب على الصحافة، لعلمهم أن حرية التعبير هي الضامن الأول للديمقراطية. لكن ثمة قلق متزايد بين منظمات حقوق الإنسان بسبب تعليقات ترامب اليومية المهينة ضد وسائل الإعلام عبر منصته للتواصل الاجتماعي.
أما في ألمانيا، حيث وبخ الصحفي يورغس المستشار ميرتس، فإن الصحفي يظل محميًا بموجب قانون الصحافة الأساسي، الذي تنص مادته الخامسة على أن حرية الرأي والصحافة مكفولة، ويحق لكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو الصورة، كما يحق له الحصول على المعلومات من المصادر العامة دون عائق، ولا يجوز فرض رقابة على ذلك.
الصحافة مزدوجة المعايير
الحقيقة أن حركة الصحافة في ألمانيا نشطة للغاية في الشأن الداخلي، خصوصًا في توجيه اللوم المستمر للسياسيين وانتقادهم الدائم، وهي مزدهرة بفضل مشهد إعلامي متنوع لا تهيمن عليه الحكومات أو الأحزاب، بل تتحمل مسؤوليته مؤسسات إعلامية خاصة. ويتمكن المواطنون من استقاء المعلومات من مصادر مختلفة ومتباينة، ما يتيح لهم تكوين رأي مستقل.
ومع ذلك قد لا نتفق مع بعض توجهات الصحافة الألمانية في القضايا الخارجية، إذ تظهر ازدواجية في مواقفها، كما في قضية الحرب على غزة أو ملفات اللجوء والهجرة. وهذا كان سببًا في احتلال ألمانيا المرتبة 16 بين 180 دولة في تصنيف حرية الصحافة الذي أصدرته منظمة “مراسلون بلا حدود” عام 2021، وهو ما يعكس ربما خيبة أمل في دولة كبيرة تعتبر خامس أكبر سوق للصحف في العالم بعد الصين والهند واليابان والولايات المتحدة، والأكبر على مستوى أوروبا.
