هل حاول النبي محمد الانتحار من قمم الجبال مرارا؟!

السنة والسيرة النبوية تحتاجان دوما إلى نخل وغربلة، سواء من حيث أسانيدها، أو من حيث النظر في متونها، فإن كثيرا من المرويات التي رويت في سيرة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، رويت ولم يكن هناك حاجة لمراجعة كثير منها، إما لوضوح حال الرواية، أو لغموضه، أو لأن الموضوع لم يكن مطروحا من قبل. وتتغير أهمية طرح موضوع ما من السيرة أو الإسلام، بحكم تطور الفكر البشري، وبحكم تغير اهتمامات الناس الحياتية والفكرية والدينية.

ومن هذه الأحداث التي رويت في كتب السنة، حادثة أن النبي محمدا -صلى الله عليه وسلم- انقطع عنه الوحي لفترة، فأثر ذلك في حالته النفسية، فكان يصعد لشواهق الجبال، وتراوده فكرة الانتحار كثيرا، ولم يكن يمنعه من ذلك إلا أن جبريل برز له أكثر من مرة، يذكره بأنه رسول الله، فيتراجع عن الفكرة. وقد راجت هذه القصة، وصار البعض يهاجم شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذه القصة. فما صحة هذه الحادثة من حيث سندها؟ ومن حيث متنها؟ ومن حيث التأمل الطويل في سياقاتها، وسياقات حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- عامة؟

حديث محاولات الرسول الانتحار في البخاري!

لقد وردت القصة في صحيح الإمام البخاري، ولعل ذكر اسم “الصحيح” سيكون موضع صدمة لدى البعض، عندما يعلم بأن الرواية في البخاري، ونصها ما يلي:

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

عن معمر، أو عن شيخه ابن شهاب الزهري، قال: «وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم –فيما بلغنا– حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل، فقال: ‌يا ‌محمد، ‌إنك ‌رسول ‌الله ‌حقا. فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك».

إن ورود حديث في البخاري ليس معناه أنه صحيح معمول به، بل لا بد من النظر فيه: هل هو من الأحاديث الموصولة، أم من المعلقة؟ وهل هو من البلاغات، أي: التي يقول فيها الراوي: «بلغنا»؟ وهي صيغة لا تدل على الصحة. وهو ما نراه في هذا الحديث، فقد قال الراوي: «فيما بلغنا»، أي: لم يروه عن ثقة ولا مصدر، بل أشبه بما يعرف في عصرنا، بما شاع، أو ورد على لسان بعضهم، دون أن يكون مشاهدا للحدث، أو شاهدا عليه، أو معايشا له. وقد ميز البخاري نفسه روايات صحيحه، حتى لا يقع الناس في الخلط بين ما يصح وما لا يصح.

قدماء ومعاصرون يكذبون الحادثة

وقد رد الحديث كثيرون من حيث عدم صحة سنده، قديما وحديثا، ومن المعاصرين: الشيخ الألباني، والشيخ شعيب الأرناؤوط، والشيخ أبو إسحاق الحويني، وغيرهم، رغم وقوع الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في تصحيحه، ولم يكن مختصا بدراسة الأسانيد. وقد أعرض عن ذكر الحادثة الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه «حياة محمد»، وأشار إليها إشارة المنكر لها.

ولا أعلم عالما قديما أو حديثا أسهب في تناول الموضوع ونقده ونسفه تماما، مثل العلامة المرحوم الشيخ محمد الصادق عرجون، في موسوعته العظيمة «محمد رسول الله» في أربع مجلدات ضخمة، يناقش كل حدث من حيث سنده ومتنه، ويقارن بين الروايات. وقد تناول هذه الحادثة فيما يزيد عن عشرين صفحة، بإسهاب غير مسبوق. وقد استفدنا في مقالنا هنا كثيرا من كلامه، فيرجع إليه في التفاصيل.

كيف ينتحر رسول يحرم الانتحار؟!

وإذا كان سند الحديث واهيا ولا قيمة له عند أهل العلم، فإن متن الحديث كذلك يدل على تناقضات، بل ما لا يصح في العقل والمنطق والدين. إذ كيف يقدم رسول هو خاتم الرسل، والرسالة اصطفاء من الله، فالله يختار ويصطفي أصلح عباده لحمل رسالته. فكيف تصل الحالة النفسية لرسول بهذه المواصفات، ليفكر جديا في الانتحار، ولا يمنعه من الفعل سوى ظهور جبريل عليه السلام ليذكره أنه رسول الله حقا؟!

والأشد من ذلك، أن هذا الرسول الكريم يحرم الانتحار، بل قال: «‌من ‌تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا». ونصوصه شديدة في تحريم الانتحار. فنبي هذه رسالته، وهذه تعاليمه، يقدم على فعل هذه الكبيرة ومرات عدة، وليس مجرد تفكير، بل عزم وشروع في التنفيذ، ثم العودة في آخر لحظة، وهو ما يتنافى مع سلوكه ودينه، ومع مبدأ عصمة الله لرسوله.

الانتحار شيء نفسي لا يطلع عليه أحد

الأمر الآخر المهم في الموضوع، أن فكرة الانتحار هي فكرة داخلية لدى الإنسان، فمن ينوي الانتحار لا يخبر أحدا، إلا أن يترك رسالة قبل انتحاره. فكيف اطلع من رووا هذه الحادثة المختلقة على نفسية الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وحالته الداخلية التي هي تفكير لا يطلع عليه إلا الله؟! ولم يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما أحدا بأنه فكر في ذلك، أو أقدم عليه، ولا توجد رواية يرويها أحد عنه بذلك.

والرواية هنا تخبرنا أنها ليست مرة واحدة، بل مرات عديدة، فلم يره أحد يصعد شواهق الجبال لينتحر، ولم يروها لأحد، ولم يحدث بها أحدا. والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحدث بكل ما يحدث له في رضاه وغضبه، وفي فرحه وحزنه. بل أشد المحن التي عاشها في قصة زينب بنت جحش، وعائشة -رضي الله عنهما-، نزل القرآن في ذلك، وقال تعالى: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} (سورة الأحزاب: من الآية 37). أفتخبرنا السنة الصحيحة والقرآن الكريم بما هو أخطر فيما يتعلق بحياته الشخصية، وفيما يتعلق بقضايا النساء من حيث الزواج، والنيل من العرض، ولا يخبرنا بهذا الحدث، ولا يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أحدا، ثم تأتي رواية تخبرنا، وهي رواية واهية تماما.

لماذا يكرر المحاولة بعد أن كلمه جبريل؟!

والعجيب في الرواية، وهو ما ينسفها من سياقها نفسه، أنها بينت أن كل مرة يذهب لينتحر، يظهر له جبريل -عليه السلام-، ويخبره: «إنك رسول الله حقا». ألم يكن يكفي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يذكره جبريل مرة واحدة بأنه رسول الله؟ فلماذا يذهب مرات أخرى إذن كما تزعم الرواية؟!

والأعجب أن الرواية تخبرنا أنه ذهب ينتحر لانقطاع الوحي عنه، والذي كان يرده عن الفعل جبريل. ومن سذاجة الرواية أن جبريل نفسه هو الوحي، فإذا لقيه جبريل، فهذا معناه أن الوحي لم ينقطع، فلم يكن الوحي سوى جبريل -عليه السلام-. فما الداعي إذن لإعادة المحاولة ما دام جبريل قد ظهر؟! وبذلك ينتهي سبب التفكير في الانتحار.

كمن أراد مثلا أن ينتحر لأنه يريد الزواج بواحدة، فتزوجها. فهل يذهب بعد يومين من زواجه للانتحار، لأنه يريد الزواج منها أيضا؟! مع احترامنا لمقام النبوة، لكن المثال ضربناه ليتضح مدى سذاجة الرواية وتخبطها.

نقد النصوص علم إسلامي أصيل

كان الهدف من الحديث عن هذه الحادثة، أنها تساق أحيانا لدى شبابنا على مدى ضعف نفسية هذا الرسول حاشاه. والسبب الآخر للطعن في كتب السنة ومروياتها. وهو ما يجعل كلامهم متهافتا وجاهلا.

فإن نقد النصوص الدينية الإسلامية علم انفردت به الأمة المسلمة، فوضع علم سمي: «الجرح والتعديل»، ونقد الأسانيد، ونقد المتون، والمقارنة بين الروايات. ووضع علم لم يسبق إليه المسلمون، وهو: «علم مصطلح الحديث».

وأن كثيرين ممن ينتقدون نصوصا في الإسلام، هم جهلاء بهذه العلوم، ويفرحون بكلمة من هنا أو هناك، وربما ساقوها من كتب مستشرقين وملاحدة لا هم لهم إلا الطعن في الإسلام، ويأتون بها لجمهور الشباب فرحين كأنهم وقعوا على كنز ثمين، لم يسبقهم إليه أحد في التفكير. وهو في الحقيقة لصوص أفكار، بل مزورو أفكار.

ولو أن أهل العلم الشرعي في بلداننا قاموا بحق العلم على هذا الدين، لكفوا الشباب والناس هؤلاء الكذبة والمتسلقة. لكن كثيرا منهم للأسف لا يمتلك الجرأة في الطرح، ويتجاسر هؤلاء الجهلة بطرحهم، فيخيل للناس باطلهم أنه حق، وأنه فكر مستنير، بينما هو أبعد ما يكون عن الفكر والتفكير.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان