قفزة الصين من زمرة الفقراء إلى “نادي الأغنياء”!

أخيرا اختارت الصين القفز من “نادي الفقراء” (الدول النامية)، للانضمام إلى زمرة الدول الغنية، الأعضاء بمنظمة التجارة الدولية “أونكتاد”. أبلغت الصين المنظمة المنفذة لاتفاقية “الجات” بقرارها المفاجئ الأسبوع الماضي، بعد مقاومة استمرت 10 سنوات من محاولة الدول الغربية دفعها إلى ناديهم بشتى السبل، الأمر الذي تحقق بعد ربع قرن من عضويتها بالمنظمة.
اعتدنا أن نسمع من قادة الصين أسبابا عديدة لعدم قبولهم عضوية “نادي الأغنياء”، رغم ما نراه من تقدم اقتصادي وتكنولوجي هائل. يتبع الصينيون مبادئ كونفوشيوسية عميقة، على الطريقة المصرية “داري على شمعتك تضيء”، فلا يحبون التفاخر بما لديهم من قوة ومظاهر العظمة، وإنما يضعون زوارهم في الأماكن التي تشعرهم بتلك العظمة، ويدفعونهم إلى البوح بما يشعرهم بالزهو والعظمة الصينية.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
كم قص علينا مسؤولون في الخارجية ووزارتي التجارة والصناعة الصينية من أسباب يرون أنها تستدعي وجودهم بين زمرة الفقراء من الدول النامية، بتأكيدهم أن الدولة الصينية تحب أن تكون بين من تحبهم في العالم النامي، لأنه مهما حققت من إنجازات اقتصادية، فإن الأغلبية الكاسحة من الشعب ما زالت تقع ضمن شريحة متوسطي الدخل ومئات الملايين الذين يكدحون لمحاربة الجوع والفقر.
وداعا للفقر
ترددت الأقوال على أفواه المسؤولين حتى 2016، حيث أعلن الرئيس شي جين بينغ نجاح خطته الخمسية الأولى في القضاء على الفقر، بدخول 800 مليون صيني في شريحة الطبقة المتوسطة، وسعيه لإخراج 350 مليون آخرين من تلك الدائرة قبل عام 2020.
عطَّل انتشار وباء كوفيد-19 خطة الخروج التي استهدفها الرئيس، بل زادت الكارثة بأن الطبقة الوسطى التي أراد الرئيس الانتقال بها من عصر الكفاية إلى الازدهار والرفاهية، أصبحت محاصرة بين تباطؤ الاقتصاد وتراجع الاستثمار العقاري والصناعي والمالي، الأمر الذي أفقد عشرات الملايين فرص العمل، وأبقى مئات الملايين يعانون خفضا إجباريا للرواتب والوظائف وارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم وضوح الرؤية بالمستقبل.
وسط الغيوم اختارت الصين موعد انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء الماضي، لتعلن على لسان رئيس وزرائها لي شيانغ، من نيويورك، دخول نادي الدول الغنية، والتوقف عن المطالبة بالامتيازات “الخاصة والمميزة” المتاحة للدول النامية في منظمة التجارة العالمية التي تمتعت بها منذ عام 2001.
خروج الصين من نادي الدول النامية لا يعني أنها أصبحت بالضرورة “دولة غنية”، وإنما هو قرار سياسي له أهداف اقتصادية واستراتيجية في المقام الأول. فالصين وإن جاءت في المرتبة الثانية كأكبر اقتصاد عالمي، يمثل نحو 18.4% من الناتج العالمي وينتج 30% من صناعات العالم، ما زال متوسط دخل الفرد متدنيا عن كل مجموعة الدول الصناعية العشرين الكبرى.
البصمة السوداء
تُظهر توقعات صندوق النقد الدولي لعام 2025 أن متوسط الفرد من الناتج الوطني للصين بحدود 13 ألفا و700 دولار، بينما يبلغ 89 ألفا و100 دولار للمواطن الأمريكي، وفي اليابان 33 ألفا و960 دولارا، وفي كوريا الجنوبية 34 ألفا و640 دولارا، وفي ألمانيا 55 ألفا و463 دولارا، وفي تركيا 15 ألفا و463 دولارا.
تبيّن النتائج أن دخل الصيني من الناتج الوطني أقل بكثير من نظيره في أمريكا وأوروبا وجنوب شرق آسيا مثل اليابان وكوريا وسنغافورة، رغم دمج اقتصاد جزيرة هونغ كونغ الشديد الثراء بنحو 800 مليار دولار في إحصاءات الدولة رسميا.
تزعم السلطات الصينية أن متوسط الدخل الحقيقي للفرد يماثل قيمة نظيره الأمريكي، لما تتمتع به عملتها من قوة شرائية، والدعم الذي تقدمه الدولة لمواطنيها في شكل قروض للإسكان والتأمين الصحي والاجتماعي والمواصلات الرخيصة. مع ذلك فإن أزمة وباء كوفيد-19 أظهرت هشاشة حزمة الدعم المالي للخدمات العامة.
تركت الكارثة بصمات سوداء على الوضع المتردي في المستشفيات العامة والتأمين الاجتماعي والتعليم العام، وارتفاع هائل في إيجار العقارات، جعل مئات الآلاف ينامون في الشوارع ومجاري الأنفاق في مدن غنية كبرى مثل شنغهاي وشينزن وغيرهما، مُظهرة مستويات التفاوت الكبير بين المدن الساحلية والأقاليم الداخلية الأقل نموا، وتراجع عمليات التنمية في المقاطعات الغربية الشديدة الفقر.
نعم، هناك توسع في نطاق الطبقة الوسطى وتراجع في دوائر الفقر المدقع، ولكن هذا لا يعني أن الصين ذات الحجم الكبير اقتصاديا أصبح فيها 1.4 مليار نسمة من الأغنياء. إن قرارها مغادرة نادي الدول النامية الآن مجرد مناورة “تكتيك” تفاوضية، بعد أن أدركت عدم قدرتها على الاستمرار في الاستفادة من الامتيازات التجارية التي تحصل عليها الدول النامية من “الجات” مثل المرونة في الرسوم الجمركية أو الدعم الصناعي من الغرب، التي جعلتها تحت ضغط دائم من الغرب وخاصة واشنطن.
تريد أن تبرهن بهذا الخروج السريع أنها أصبحت قوة اقتصادية مسؤولة، وليست راكبا مجانيا في قطار يوزّع مزايا على الدول النامية بينما تتنافس على قمة الاقتصاد العالمي. لذا تركز على البعدين الاستراتيجي والدبلوماسي لتعزيز موقعها كقوة مساهمة في صياغة قواعد اللعبة العالمية، بدلا من الاكتفاء بأن تكون متلقية لتعليمات خاصة من غريمتها أمريكا.
نحن وفخ الديون
عادة ما ننظر إلى وجود الصين ضمن نادي الدول النامية بأنه مكسب للمجموعة الواسعة الانتشار، ونغبطها بأنها أصبحت غنية وما زالت متمسكة بعضوية نادي الفقراء. مع ذلك تبقى الحقيقة المؤكدة أن خروج الصين من نادي الدول النامية أو التحاقها بزمرة الأغنياء لن يشكل فارقا كبيرا لنا أو لغيرنا على الإطلاق.
فالدول الغنية اعتادت مص دماء الدول الفقيرة، فعادة ما تقدّم المنح أو القروض عبر آليات صندوق النقد والبنك الدولي أو وكالات التنمية التابعة لها، مثل المعونة الأمريكية أو الألمانية أو اليابانية، مشروطة بتنفيذ شركات الدول للسياسات والمشروعات التي تمولها.
هذا النموذج تتبعه الصين منذ سنوات مع مصر والدول العربية وأكثر من 100 دولة أصبحت مدينة بما يتراوح من 800 مليار إلى 1.34 تريليون دولار حتى عام 2024، وفقا لبيانات AidData، ولا تزيد المنح والمساعدات الميسرة عن 4 مليارات دولار.
وبينما ينشر صندوق النقد والبنك الدولي العقود والقروض المشروطة على مواقعه ووسائل الإعلام بما يضع الحكومات في مواجهة الشعوب والرأي العام، نرى أن أغلب الصفقات المالية للصين “قروض مخفاة” تأتي من جهات رسمية عدة، ومع ذلك تجعلنا عاجزين عن معرفة معلومة مؤكدة من الحكومة الصينية أو حكومات الأقاليم التي تمول مشروعات مستقلة عن الحكومة المركزية في بيجين.
توقِع القروض المخفاة كثيرا من الدول في ما يُسمى “فخ الديون”، وتستغلها الصين في الحصول على أصول رأسمالية مقابل الديون في حالة عدم التزام الدول بسداد ما عليها من قروض.
بين الثور والطحين!
الأمر الأهم أن دخول الصين نادي الأغنياء يأتي في وقت تحولت فيه من أكبر مقرض للمشروعات الكبرى في الدول النامية لتبدأ في تقليص الإقراض منذ عام 2022، وتتحول إلى دور محصل للقروض القديمة، ومدير أخطار لا مقرض باستمرار، والميل نحو استخدام تمويل مشروعات التنمية أداة نفوذ استراتيجي وليس منحة إنسانية خالصة.
إذَن لن ينفعنا دخول الصين “نادي الأغنياء”، ولن يزيدنا ضررا أكثر من ذلك لو بقيت ضمن “نادي الدول النامية”. فالصين لديها استراتيجيات واضحة لحل مشكلاتها مع الغرب وإدارة الأسواق الدولية، ما دُمنا اخترنا الجلوس في المدرجات لمشاهدة لعب الكبار، والتصفيق لمن يحرز هدفا دون علاقة لنا بـ”الثور ولا بالطحين”.
