نتنياهو ونهاية إسبرطة الجديدة

إسرائيلية في طريقها للمشاركة في مظاهرة ضد نتنياهو (رويترز)

تشبه تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة، التي شبَّه فيها كيانه بدولة إسبرطة القديمة، نبوءةً تنذر بشؤم محتوم، فشبَّه دولته المحتلة بمحتل آخر زال من التاريخ، تاركًا وراءه دروسًا وعِبَرًا. فنتنياهو يريد تحويل كيانه إلى قلعة محاصَرة تعيش في حالة حرب دائمة، لكنه ينسى -أو يتناسى- أن نهاية إسبرطة كانت مأساوية، تميزت بالجمود والانهيار، وهو المسار ذاته الذي يسير فيه الكيان الصهيوني اليوم.

لقد أراد نتنياهو من هذا التشبيه تخويف أعدائه وترهيبهم بقوة إسبرطة العسكرية، لكنه نسي أن التاريخ يذكّرنا بنهاية هذه الدولة التي انتهت إلى زوال لا محالة. إنها صورة قاتمة لمستقبل الكيان الصهيوني الذي يسير بخطًى ثابتة نحو مصير مماثل.

عزلة إسبرطة وسقوطها

كانت إسبرطة نموذجًا للدولة العسكرية المتصلبة التي أعطت الأولوية المطلقة للقوة العسكرية على حساب التطور السياسي والاجتماعي، وأدى هذا الجمود إلى عجزها عن مواكبة المتغيرات، وفشلها في استيعاب التحولات الديموغرافية. كما أن انخفاض عدد المواطنين المؤهلين للقتال كان السبب الجذري لضعفها، وهو ما يتشابه بشكل لافت مع الوضع الديموغرافي والعسكري في الكيان الصهيوني.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ولم تكن نهاية إسبرطة انفجارًا مفاجئًا، بل كانت ذبولًا بطيئًا بدأ بهزيمة عسكرية حاسمة في معركة “ليوكترا” عام 371 قبل الميلاد، وتفاقمت بسبب العيوب الهيكلية في نظامها، لتنتهي بفقدان استقلالها لصالح قوى أكبر مثل مقدونيا ثم روما.

لقد أصبحت إسبرطة مجرد ذكرى في كتب التاريخ بعد أن كانت قوة عظمى يخشاها الجميع، وهذا هو المصير الذي ينتظر كل دولة تعتمد على القوة والعنف، وتهمّش قيمتي السلام والتعايش.

إسرائيل إسبرطة العصر الحديث

يسعى نتنياهو -بوعي أو بغير وعي- إلى تكرار النموذج الإسبرطي المتهالك، فهو يعلن أن كيانه سيتحول إلى اقتصاد مغلق ومعزول، في محاولة يائسة لمواجهة العزلة الدولية المتزايدة، لكن هذا الحل هو بمثابة انتحار اقتصادي.

فالكيان الصهيوني يعتمد -بشكل حيوي- على سلاسل الإمداد الغربية، والدعم المالي والعسكري الخارجي. فكيف لاقتصاد هش يعاني أصلًا تبعات الحرب أن يتحول إلى اقتصاد ذاتي مغلق؟ إنها أحلام غير واقعية تهدف إلى تخدير الشعب الإسرائيلي، وخلق أسطورة صمود زائفة.

إن تحويل إسرائيل إلى إسبرطة جديدة يعني تحويلها إلى دولة منعزلة عن العالم، محاطة بالأعداء من كل صوب، وهذا بالضبط ما حصل لإسبرطة القديمة التي أنهكتها الحروب المستمرة مع جيرانها حتى سقطت في النهاية.

ودليل على عزلة “إسبرطة نتنياهو”، ما شهدته إيطاليا أخيرًا تحت شعار “لنعطّل كل شيء”، حيث خرجت مظاهرات في 75 مدينة دعما للفلسطينيين، ورفضًا لتصدير وشحن السلاح إلى الكيان المحتل، مع إضراب عام شمل حتى القطارات. وخرج مئات الآلاف ينددون بما يحدث في قطاع غزة، لتزداد عزلة الكيان مع دول الغرب التي كانت الحاضنة التاريخية له.

أما إسبانيا، فمن دون أي اجتماعات أممية، حظرت تصدير السلاح إلى الكيان المحتل بقانون دائم، ومنعت مرور أي شحنات عسكرية عبر موانئها وأجوائها. كما أدرجت مسؤولين صهاينة على قوائم الحظر، وأوقفت استيراد منتجات المستوطنات، وضاعفت مساعداتها الإنسانية للفلسطينيين، ودعمت “أونروا”، واعترفت رسميًّا بدولة فلسطين، وألغت صفقة سلاح بـ700 مليون يورو مع تل أبيب، ودعمت تحريك دعاوى الإبادة أمام محكمة العدل الدولية، كما طالبت بمنع الكيان من المنافسات الرياضية الدولية.

الانهيار من الداخل

وكما نعلم، فإن إسبانيا رفضت الاعتراف بإسرائيل منذ النكبة 1948 وحتى 1986، لتصبح آخر دولة في أوروبا الغربية تقيم علاقات معها رسميًّا. ومنذ ذلك الحين، اتبعت سياسة “توازن” بين دعم دولة العدو وتأكيد حق الفلسطينيين، قبل أن تُحدِث تحولًا تاريخيًّا العام الماضي حين اعترفت رسميًّا بدولة فلسطين، لتكون بذلك قد انتقلت من آخر المعترفين بإسرائيل إلى أولى الدول الأوروبية الكبرى التي تكسر الإجماع، وتقر بفلسطين دولة ذات سيادة.

تبدأ نهاية الدول عادة من الداخل، وتظهر علامات الانهيار في الكيان الصهيوني بشكل جلي، فالهجرة العكسية للأيدي العاملة والخبراء ورؤوس الأموال تزيد من عزلة الاقتصاد الإسرائيلي، وتفاقم أزمته. كما أن التصدعات الاجتماعية العميقة، والاستقطاب السياسي الحاد، يعكسان هشاشة البنية الداخلية للكيان، التي لن تتحمل ضغوط اقتصاد الحرب الدائمة والعزلة الدولية.

إن محاولة نتنياهو خلق أيديولوجية إسبرطة جديدة هي محاولة فاشلة لإخفاء فشله السياسي والعسكري في تحقيق الأهداف المعلنة لحربه على غزة، وعجزه عن إعادة المخطوفين، أو تحقيق نصر حاسم.

لقد أصبح الكيان الصهيوني يشبه إسبرطة في أيامها الأخيرة كدولة تحاول أن تُظهر القوة، بينما تنهار من الداخل تحت وطأة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

النهاية المحتومة

إن العزلة الدولية التي يعيشها الكيان الصهيوني اليوم لم تشهدها إسرائيل منذ عام 1947، فالقرارات الأوروبية المتتالية في الاعتراف بدولة فلسطين، والحظر المتزايد على تصدير السلاح، والتحركات الشعبية العالمية؛ تمثل ضغطًا غير مسبوق.

فالقشة التي قصمت ظهر البعير كانت معركة “طوفان الأقصى” التي كشفت الوجه العنصري الحقيقي للكيان، وأظهرته دولة خارجة عن القانون الدولي. فلم يعد بمقدور الكيان -حتى مع دعم حلفائه التقليديين- أن يفرض إرادته على المجتمع الدولي. فالصمود البطولي للشعب الفلسطيني -رغم الثمن الباهظ- هو الذي دفع دولًا كبرى إلى الاعتراف بحقوقه التاريخية.

إن نهاية إسبرطة الحديثة ليست مسألة تخمين، بل هي نتيجة حتمية لسياسات عنصرية توسعية، ترفض التكيف مع متطلبات العصر، وتصر على العيش في الماضي.

لقد حان الوقت لكي يدرك قادة الكيان الصهيوني أن “إسبرطة الجديدة” لن تكون أفضل حالًا من إسبرطة القديمة، وأن التاريخ يعيد نفسه لمن لا يتعلم من دروسه.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان