صدق السنوار وكذب نتنياهو.. «غيتو إسرائيل الأخير»

بينما تسعى حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى تحويل ما تسميه «مدينة رفح الإنسانية» جنوبي قطاع غزة إلى «غيتو» مغلق تحشر وتحاصر فيه الناجين من حرب الإبادة الجماعية على غزة، وتسومهم سوء العذاب، تبدو إسرائيل هي التي تحاصر نفسها بنفسها.
في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الجمعة الماضي، قال بنيامين نتنياهو: «أعتقد أن الشرق الأوسط سيكون مختلفا اختلافا هائلا في الأعوام المقبلة».
تعبيرٌ ليس جديدا على قاموس نتنياهو، ولا حتى ترامب؛ فمصطلح «الشرق الأوسط الجديد» يكاد أن يهيمن على خطابهما السياسي، وهو في التعريف الإسرائيلي الأمريكي يعني شرقا أوسط يخلو من المقاومة السياسية والعسكرية، مما يتيح لإسرائيل أن تتربع منفردة على عرش المنطقة بلا منازع.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
لكن المفارقة أن نتنياهو كان يخطب من على منبر المنظمة الأممية، بعد أن انسحب نحو ثلثي مندوبي الدول الأعضاء، احتجاجا على جرائم الإبادة التي يرتكبها جيشه، فيما كانت شوارع نيويورك بالتزامن تشتعل بمظاهرات عارمة، شارك فيها نشطاء سياسيون من مختلف التيارات، بينهم يهود أمريكيون وإسرائيليون.
إزاء الصور التي طيرتها وكالات الأنباء من قاعة المنظمة الأممية «شبه الخاوية»، والصور الموازية للمظاهرات الشعبية الحاشدة خارجها، لم ينجح التصفيق «التمثيلي» أو المبالغ فيه من القلة الباقية بالقاعة، في التغطية على الافتضاح الإسرائيلي غير المسبوق.
كان الانسحاب طوفانا دبلوماسيا، يوازي في دلالته اللحظة العبقرية الأولى لعملية «طوفان الأقصى»، التي أسفرت عن هزيمة عسكرية واستخباراتية غير مسبوقة لإسرائيل.
ورغم أن نتنياهو حاول أن يبدو متماسكا، وهو يستعرض «انتصاراته العسكرية» على جميع الجبهات التي أشعلها بحماقته، إلا أنه بدا زائغ العينين، متلعثما، فاقدا لبلاغته المعتادة.
الانهزام كان عميقا لمجرم الحرب الصهيوني ودولته معًا، حتى إن مراسلة القناة 13 الإسرائيلية علقت بقولها: «الانسحاب لم يكن مجرد صفعة شخصية لنتنياهو، بل بصقة في وجه إسرائيل بأسرها».
كانت البصقة مستحقة، بل أقل مما تستحقه دولة الاحتلال.
تآكل فادح للسردية الإسرائيلية
الصورتان المتقابلتان: انسحاب المندوبين ومظاهرات نيويورك، حملتا رسالة مزدوجة: أولا أن السردية الصهيونية حول «الدولة الديمقراطية المحاطة بعرب همجيين» تتآكل.
وثانيا أن المزاج الشعبي الغربي تغيّر بعمق، وتبعا لذلك تغيَّرت القرارات السياسية بدورها.
حتى ترامب اعترف بهذه الحقيقة، حين ذهب إلى أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة فقد كثيرا من فعاليته؛ فانتقاد السياسات الإسرائيلية كان من المحرمات قبل عشرين عاما، واليوم يجاهر عدد متزايد من قيادات الصف الأول في الحزبين الديمقراطي والجمهوري برفض تلك السياسات.
إسرائيل في وضع أسوأ من العزلة الدولية؛ إنها ترتد إلى سيرتها الأولى لتغدو جماعة إثنية منبوذة مكروهة.
كما عاش اليهود خلف أسوار «الغيتو» في أوروبا، ها هم أحفادهم اليوم يعيشون في «غيتو» اسمه دولة إسرائيل.
«الغيتو» بين البندقية و«أرض الميعاد»
فُرِض «الغيتو» على اليهود الغربيين منذ عام 1516 إثر قرار جمهورية البندقية ترحيلهم إلى جزيرة نائية تضم مسبكا للمعادن، وسرعان ما استنت مدن أوروبية أخرى بهذا الإجراء التمييزي، من روما إلى فرانكفورت ثم وارسو وغيرها.
طول المكث في «الغيتو» أحدث اعتلالات نفسية لـ«شعب الله المختار»، الذي بات يتوجس من الانفتاح على الآخر، ويظن دائما أن هذا الآخر يضمر له الشرور.
بذلك صار «الغيتو» مؤسسة اجتماعية شاملة، وفق تعبير الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته ذات الثمانية أجزاء «اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد».
كان «الغيتو» في أوروبا أول الأمر مفروضًا على اليهود، لكن الدولة العبرية نقلته طوعًا مع المستوطنين الذين هاجروا إلى فلسطين المحتلة، فإذا بإسرائيل التي ادعت أنها حركة تحرر قومي تتحول إلى كيان محكم الإغلاق يستنسخ «الغيتو» بحذافيره.
في القارة العجوز عاش اليهود خلف أسوار حجرية، وفي فلسطين المحتلة يعيشون خلف أسوار الترسانة النووية، ومنظومات الحماية مثل «القبة الحديدية» وقبلها خط بارليف.
ما كان مفروضا بقرار تمييزي من حكومات أوروبا بات اختيارا إسرائيليا.
عقدة «الغيتو» في شهادات إسرائيلية
واللافت للانتباه أن المسيري ليس وحده الذي رصد «عقدة الغيتو» الصهيونية، فرئيس الكنيست الأسبق، أفراهام بورغ، أومأ إلى خطورة هذه الظاهرة في كتابه «هزيمة هتلر» حين وصف إسرائيل بأنها «قلعة عسكرية مغلقة»، تعيش في عزلة خوفًا من العالم الخارجي.
وبالمثل كتب المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند، تحت عنوان: «تفكك الوهم القومي» محذرا من «انهيار أساطير التأسيس»، ومطالبا بأن تخرج إسرائيل من «الغيتو النفسي» حتى تغدو كيانا طبيعيًا.
وكما هو معلوم، لم تفعل دولة الاحتلال ذلك، بل تمترست خلف أسوارها كمريض بـ«الفوبيا».. غير أن العزلة الاختيارية لم تعد كذلك، بل صارت قرارا إنسانيا عالميا في مواجهة جرائم الحرب الصهيونية.
كانت المظاهرات التي اندلعت في المدن الإيطالية ضد سياسات روما المنحازة لإسرائيل، مثالا واضحا على تشكل مزاج سياسي غربي جديد، وكانت الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين رغم كل ما يقال في نقدها استجابة رسمية لهذا المزاج.
قد يزعم متحذلق من بني جلدتنا ممن يؤثمون «طوفان الأقصى»، أن هذا لا يعني إسرائيل، ولا يحرك شعرة في رأس نتنياهو والذين معه، ما دامت مخازن السلاح الأمريكي مفتوحة، والبيت الأبيض يشهر الفيتو في وجه العالم.. لكن حتى هذا الأمر لم يعد مضمونا.
خلال الأسبوع الماضي نشرت «الإيكونوميست» مقالًا بعنوان: كيف تجعل إسرائيل أمريكا معزولة؟.
المقال رصد انحراف بوصلة الرأي العام الأمريكي عبر مستجدات سياسية واجتماعية لا تخطئها العين، منها مثلا أن الناخب الديمقراطي بات يناهض الوحشية الإسرائيلية، على حين يتبرم الناخب الجمهوري من إراقة الأموال لدعم دولة الاحتلال، حتى خَلُص إلى أن الرئيس السابق بايدن قد يكون آخر ديمقراطي يؤيد الاحتلال.
نحن إذن أمام عالم جديد تتشكل ملامحه وتتغير اتجاهات السياسة والرأي العام فيه جذريا، ولسنا إزاء شرق أوسط جديد فحسب.
صدق السنوار وكذب نتنياهو
بعد اندلاع عملية «طوفان الأقصى» قال الشهيد بإذن الله يحيى السنوار: إن العالم بعد الطوفان لن يكون كما كان قبله.
لم يكن السنوار عرّافا يقرأ الطالع بل كان يدرك أن الأحداث التاريخية الكبرى، تتضخم تداعياتها مثل كرة ثلج تتدحرج من فوق قمة جبل جليد.
حين تباهى مجرم الحرب الإسرائيلي بانتصاراته «أي جرائمه» لم ير هزائمه، وحين ذهب إلى أن الشرق الأوسط سيتغير، لم يعِ أن العالم بأسره يتغير وسيتغير أكثر، كلما تكشَّف وجه إسرائيل الدموي والإرهابي.
هكذا يبدو أن خطاب نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة، كأنه خطاب من خلف أسوار «غيتو إسرائيل الأخير»، والمؤكد أن الشرق الأوسط بصدد إرهاصات تغيير كبير فعلًا، لكن لن يكون أبدا كما يريد نتنياهو.
