هوية الشباب العربي.. بين الأصالة والذوبان في العالم الرقمي

الصراع بين الجذور المحلية وجاذبية العالم الرقمي (الذكاء الإصطناعي)

لم يعد الشاب العربي اليوم محصورًا في أسرته أو مجتمعه المحلي، فقد أزالت التكنولوجيا الحواجز وفتحت أمامه فضاءً بلا حدود. الهاتف الصغير بين يديه بات نافذة على قيم وثقافات ومعايير مغايرة لما تربى عليه، ما أوجد صراعًا داخليًا بين الهوية المحلية والعالم الرقمي الذي يفرض حضوره كسلطة جديدة يصعب مقاومتها.

العالم الرقمي كسلطة خفية

تشير دراسات ميدانية إلى أن أكثر من 68% من طلاب الجامعات في مصر والخليج يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 60 ساعة أسبوعيًا. لم تعد المنصات مجرد وسيلة ترفيه، بل أضحت منظومة مؤثرة تحدد الذوق العام، ومعايير النجاح، وصورة القدوة.
فقد صنعت الخوارزميات نجومًا من أشخاص عاديين، بينما همّشت العلماء والمفكرين. وهكذا تبلورت هوية جديدة بلا جذور واضحة، يتبناها الشباب بعيدًا عن رقابة الأسرة أو المدرسة.

تراجع المرجعيات التقليدية

تاريخيًا كانت الأسرة والمدرسة والمسجد تشكل الضامن الأول للهوية. اليوم تلاشت سلطة البيت، وتحوّل المعلم إلى مقدم دروس خصوصية، وتراجع دور المسجد أمام سطوة المؤثرين وصنّاع المحتوى. بل إن بعض الأسر تسهم، عن غير قصد، في تكريس الظاهرة بشراء الأجهزة لأبنائها في سن مبكرة.

هوية مزدوجة ومخاطرها

نتج عن هذا الصراع هوية مزدوجة: هوية ظاهرية منضبطة أمام الأسرة والمجتمع، وأخرى رقمية أكثر تحررًا وتجرؤًا، يتبناها الشاب خلف أسماء مستعارة. هذه الازدواجية تجعل جيلًا كاملًا يعيش بين عالمين متناقضين، ما يضعف انتماءه الوطني ويغذي حلم الهجرة والهروب نحو “الغرب الأفضل”، ولو عبر مراكب الموت.

استعادة التوازن

رغم قتامة الصورة، يبقى الأمل قائمًا. الوسائل نفسها التي تُستغل لفرض قيم غريبة يمكن توظيفها إيجابيًا لبناء وعي جديد. بعض الصفحات التوعوية أثبتت أن مواجهة الفوضى الفكرية ممكنة، لكنها ما زالت محدودة التأثير. المطلوب أن تتوسع الجهود لتأسيس منصات رقمية قادرة على إنتاج محتوى أصيل وجاذب، يصوغ قناعات الشباب ويعيد الاعتبار للقيم المحلية.

✦ الخلاصة:
الأزمة ليست في انفتاح الشباب على العالم، بل في غياب مشروع ثقافي محلي قادر على استثمار هذا الانفتاح. فإذا استطعنا موازنة الأصالة مع الانفتاح، يمكن للعالم الرقمي أن يكون فرصة لتجديد الهوية لا لطمسها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان