رعايا المسلماني في الرعاية الطبية يموتون!

مبنى التلفزيون المصري (ماسبيرو)

أن تذهب إلى مستشفى لتجدك وتساعدك على المرض والألم المفاجئ، فتُترك أمام المشفى ساعات طويلة لعجزك عن دفع رسوم الدخول، أو انتظار خطاب يعتمده مسؤول عن علاجك في مؤسسة عريقة كالهيئة الوطنية للإعلام (ماسبيرو سابقا)، وتمر ساعات وأنت على بوابة المشفى وجسدك وقلبك ونفسك يهرب منك، فتلك كارثة، وإذا كنت ممن يدفعون اشتراكا شهريا وسنويا يقترب من 5000 جنيه كل عام، فتلك مصيبة كبرى. أما أن تنتظر مسؤولا حتى يستيقظ من نومه ويذهب إلى “ماسبيرو”، ثم ينظر في طلبك إذن دخولك المشفى ويتناقش ويناقش، فتلك نهايتها الوفاة.

ست ساعات كفيلة بالموت

هذا ما حدث في الهيئة الوطنية للإعلام للزميلة عبير الأباصيري، إحدى المعدين القلائل والكبار بالقناة الأولى بالتليفزيون المصري، التي تُركت على بوابة المستشفى ست ساعات لعجزها عن دفع 1400 جنيه مصري بما يعادل 30 دولارا فقط لا غير.
رغم أن الزميلة الراحلة تدفع اشتراكا شهريا في المؤسسة التي تعمل بها، وحقها في حالة الطوارئ أن تدخل أقرب مشفى لمنزلها حتى يتم إجراء المطلوب منها، إلا أن مستشفياتنا أصبحت هكذا: تترك المريض يموت حتى يدفع. ولك أن تتخيل ما عاناه مرافِقوها حتى يحصلوا لها على خطاب “ماسبيرو” لتدخل للعلاج.
ست ساعات من الاتصالات حتى الحصول على الرد، وكتابة الخطاب والعودة إلى المستشفى، ست ساعات كانت كفيلة بتأخير الحالة، والمؤكد أن أجلها قد حان وأننا جميعا في موعدنا لا نستأخر ساعة ولا نتقدم، ولكن هذه الحالة -التي اعتبرها زميل آخر أنها كثيرا ما تتكرر- لا بد لها من علاج، والأغرب أن تأتي هذه الحالة بعد أن بشّرنا السيد أحمد المسلماني منذ أسبوع بإسناد مهمة الرعاية الصحية لوزارة الصحة، وأيضا تعيين مدير جديد للرعاية الصحية.

أحوال تتدهور سنوات

الواقع أن تدهور الأحوال للرعاية الطبية في الهيئة الوطنية للإعلام بدأ منذ سنوات، والمؤكد أن المسلماني الذي يبذل جهودا إعلامية كثيرة وينتشر بكثافة عبر وسائل الإعلام ليس مسؤولا عن هذا التدهور، بل بالفعل منذ 2012 ونحن نعيش مآسي كثيرة بسبب تعقيدات الموافقات الورقية على دخول الحالات الطارئة من دون خطاب من الهيئة.
كانت إحدى الكوارث الأخرى هي فسخ التعاقدات مع الغالبية العظمى من المشافي بسبب تراكم الديون على الهيئة الوطنية، وهو ما أعقبه فسخ التعاقدات مع الصيدليات أيضًا، والآن أصبح عدد المستشفيات المتعاقد معها “ماسبيرو” لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، وتكون محظوظا حينما تجد أحدها قريبا من مسكنك.
ومن الأحداث المحزنة أيضا أن كثيرا من معامل التحاليل والأشعة فسخت عقودها مع ماسبيرو. ولعلّي أذكر أنه في نهاية فبراير/شباط 1998 تعرضت لحادث كبير أمام محكمة الجيزة نتج عنه كسر مضاعف في الركبة، ونقلني بعض المارة إلى مستشفى أم المصريين، وقد عوملت معاملة ممتازة كوني مخرجا في التليفزيون المصري، وكنت مُصرا على الانتقال لمستشفى آخر.
وبالفعل تم نقلي لآخر، وتم عمل اللازم وكان كثيرا، ومكثت في المشفى 40 يوما تحت رعاية كاملة. كل هذا تم فقط ببطاقة هويتي كمخرج في “ماسبيرو”، وجاء خطاب التحويل من “ماسبيرو” والتعهد بالتكاليف كافة. بعدها بيوم أو يومين، كان هذا ما تعودنا عليه طوال فترة وجود صفوت الشريف وزيرا، والواقع أنه استمر حتى نهايات 2010.

بقايا من زمن الرعاة

كان صفوت الشريف -رغم كل ما يُؤخذ عليه- حريصا على أبناء “ماسبيرو” حرص الأبوة بالفعل، ولا يقبل لنا -وهو يعرفنا جيدا بكل اتجاهاتنا- أن يقلل أحد منا، وللأمانة أذكر أيضا أن أنس الفقي كان من الناحية الإنسانية فريدا. أتذكر أن مخرجة زميلة كانت تعالج زوجها في القصر العيني الفرنساوي، وتوفّي الرجل وعليه 10 آلاف جنيه. لم تستطع زوجته الدفع للخروج به إلى مدفنه، كلمتني في السادسة صباحا، أغلقت معها واتصلت بالوزير في اللحظة ذاتها. أذكر أن أنس الفقي قام باللازم على الفور وأصدر قرارا بأن يدفع اتحاد الإذاعة والتليفزيون المبلغ ليخرج المتوفى.

تغيرت الأحوال في السنوات العشر الأخيرة كثيرا. هناك أكثر من حادثة كان التأخير في دخول المشافي سببا في تضاعف الحالات المرضية أو وفاتها. حادثة شهيرة أيضا في 2015 هي وفاة مدير التصوير الصديق الراحل مصطفى قاسم وهو يعمل داخل “الأستوديو”. فاجأته أزمة قلبية، صعد به الزملاء إلى غرفة العاجل في “ماسبيرو”، ولم يكن هناك غير طبيب شاب أعطاه قرص “أسبرين” وتركه.
نزل الزميل مع زميل آخر ليبحثا عن مستشفى، والغريب أن هذا كله تم سيرا في طرقات “ماسبيرو”، وفي الطريق إلى المستشفى كان الزميل قد فارق الحياة. وقامت الدنيا وتظاهرنا، ولكن لم يستفد أحد من الحادث، ولم يتعظ قيادات “ماسبيرو”، بل أهملوا الرعاية الطبية التي تحصل على ما يزيد عن مليون جنيه سنويا.

ليست مسؤوليته كاملة

لست هنا في مساحة لتحميل السيد أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام كل ما مرّ من تدهور في “ماسبيرو” ولا في الرعاية الصحية بالمناسبة، فرغم دفعي اشتراكا سنويا لمدة 36 عاما فقد حُرمت -ضمن ما حُرمت- من الرعاية الصحية التي دفعت ثمنها من أجري.
لست ضد محاولات المسلماني في تطوير “ماسبيرو” وحل مشاكله إن كانت هناك محاولات، ولكن يجب إصلاح المنزل من الداخل. يجب أن يشعر من هم داخل “ماسبيرو” ومن خدموه وخرجوا إلى التقاعد أنهم ليسوا عالة عليه، وأن حقهم حياة محترمة لا تجعلهم يحتاجون لمد اليد، أو لاستنزاف أعمارهم على بوابات المستشفيات. أيضا لا بد أن يعلم من لا يزالون داخل “ماسبيرو” أنهم محاطون بالرعاية، ليست فقط الصحية، ولكن المعنوية والمادية.
أخيرا، سؤال لرئيس الهيئة: هل تعرف عدد المصاعد والدرج في “ماسبيرو”؟ إذا كانت الإجابة نعم فأنت على الطريق الصحيح، وإن كانت لا، فستكون عندما تعرفها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان