هنا مقبرة الأقلام.. «لن يبقى أحد لينقل لكم الأخبار»

قطاع غزة المنكوب هو مقبرة لضمير العالم الحر والمكبل، ولأجساد عشرات الآلاف من أطفال مغلوبين ونساء مستضعفين ورجال بواسل، وهو أيضا مقتلة كبرى للصحفيين الفلسطينيين ولأقلامهم وآلات التصوير وناقلات الصوت، وللحقيقة التي تطل عبرهم جميعا.
تُعد غزة منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 المكان الأخطر للصحفيين في العالم، فالاستهداف المباشر للأطقم الصحفية ولأماكن تجمعاتهم والتركيز على من يحملون شارات تميزهم بصفتهم صحفيين وسط القصف هو جريمة حرب مكتملة الأركان، أودت بحياة ما بين 220 و250 صحفيا، غير مئات من المصابين وذوي الاحتياجات الخاصة.
منذ الأيام الأولى للعدوان على غزة بدأ ارتقاء الصحفيين للسماء جزءا من التضحيات التي يدفعها الشعب الفلسطيني كله، لكن مع الوقت لم يصبح الأمر مجرد تشارك في الدم والهم والوجع، بل كان قتلا مقصودا وممنهجا ضد مهنة أولئك الذين يكشفون الحقائق ويفضحون الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
التحالف الثلاثي
في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري نظم تحالف ثلاثي من منظمات عاملة في مجال حرية الرأي والتعبير وحماية الصحفيين حملة تضامن مع الصحفيين الفلسطينيين حول العالم شملت نحو 70 دولة، بهدف فضح الممارسات الإسرائيلية ضد الصحفيين في غزة، وإلقاء الضوء على أكثر الأماكن دموية بالنسبة لحملة الأقلام و”الكاميرات” ومكبرات الصوت.
قام بالجهد الأساس في تدشين الحملة منظمات ثلاث هي:
أولا: «مراسلون بلا حدود» التي تعمل على توحيد الجهود في مجال حرية الصحافة وتداول المعلومات، وتحسين ظروف العمل والسلامة المهنية، وقد أسست في العاصمة الفرنسية باريس عام 1985 على يد «روبرت مينارد»، وهي منظمة غير حكومية لها صفة مستشار لدى الأمم المتحدة.
ثانيا: «آفاز» وهي منظمة عالمية أسست في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2007 وتنشط في مجالات مساندة حرية التعبير ومكافحة الفساد والفقر، وإلقاء الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان وحرية الصحافة وقضايا البيئة.
يعني اسم المنظمة كلمة «صوت» في لغات أوروبية مثل الإسبانية (voz)، وفي لغات آسيوية مثل الأوزبكية (ovoz) والأوردية (آفاز). وتنشط المنظمة التي تعتمد على ترتيب حملات لدعم الضحايا والمتضررين وكشف الانتهاكات في أنحاء متفرقة بالعالم، وتدشن «آفاز» حملاتها في سبعة عشر لغة، وتضم أكبر شبكات النشطاء وأكثرها فاعلية، وتقول إن عدد أعضائها بلغ 40 مليونا حول العالم.
ثالثا: الاتحاد الدولي للصحفيين الذي أسس عام 1926، وهو أكبر منظمة تضم حملة الأقلام و”الكاميرات” و”الميكروفونات” في أكثر من 140 دولة وتمثل أكثر من 600 ألف من المنتمين لمهنة الصحافة حول العالم، ولدى الاتحاد توجه عام لنصرة القضية الفلسطينية.
وفي السابع من يونيو/حزيران عام 2009 قررت اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للصحفيين بالإجماع طرد اتحاد الصحفيين الإسرائيليين من عضوية الاتحاد وذلك لأسباب مالية وليست سياسية، حيث تخلفت النقابة الإسرائيلية عن دفع الاشتراكات المقررة عليها، ويبدو أن خروج إسرائيل كان متعمدًا بسبب كثرة توجيه الانتقادات للدولة الصهيونية ولسجلها السيئ في مجال الحريات ومعاملة الصحفيين الفلسطينيين في غزة والضفة، ويؤكد ذلك أنه تم عرض إمكانية إعادة قبول عضوية إسرائيل بشرط تسديد المتأخرات، لكن دولة الاحتلال لم تكن حريصة على المشاركة في هذا المحفل الدولي المهم.
التعتيم والأغلفة
انطلقت الحملة في أكثر من 70 دولة بأنشطة تكشف فداحة الجريمة التي ترتكبها الدولة الصهيونية بحق الصحفيين الفلسطينيين، حيث تم الاتفاق بين أكثر من 250 وسيلة إعلامية في أنحاء متفرقة من المعمورة على فعل رمزي موحد ومؤثر، حيث صدرت الصحف التي شاركت في الحملة صفحاتها الأولى وأغلفتها بمساحة سوداء تحمل شعارات مؤثرة تكشف حجم الجريمة التي ترتكب بحق الصحفيين الفلسطينيين. كما تم بث بيان مشترك عبر شاشات التلفاز وأثير الإذاعات وصفحات ووسائط المنصات الرقمية، فيما غيبت بعض المواقع الإخبارية محتواها وأسدلت الستار على شاشاتها، وذهبت أخرى إلى تسويد صفحاتها الأولى كاملة في مشهد عُرف بـ«التعتيم».
مظاهرة الأسود والأبيض
في مشهد احتجاجي صامت، تركت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية صفحتها الأولى بيضاء كأنها كفن رمزي للصحفيين الفلسطينيين الذين أعدمتهم الآلة العسكرية لقوات الاحتلال، وهو أمر شائع عندما تحتج الصحافة بحذف المحتوى أو تريد إيصال رسالة بأن هناك رقابة تمنعها من نشر محتوى معين.
صحيفة “الغارديان” البريطانية عرضت في نسختها الإلكترونية بشكل بارز أسماء وصور الفلسطينيين الذين أدرجتهم لجنة حماية الصحفيين على أنهم ضحايا، وكتبت تعليقا: «إن الأسماء المدرجة في هذه القائمة لا تمثل الأرواح المفقودة والمستقبل والأسر الحزينة فقط، بل الذين قُتلوا أثناء قيامهم بعملهم في أكثر البيئات رعبا وتدميرا، والذين لا يمكن تعويض شجاعتهم وتفانيهم في تغطية هذا الصراع».
الطاحونة السوداء
في هولندا، ارتدت صحيفة (NRC) السواد على صفحتها الأولى، مع عنوان لافت: «دون صحفيين تصبح صورة غزة سوداء». بينما تصدرت صور الشهداء من الصحفيين الفلسطينيين غلاف صحيفة «دي فولكس كرانت» بعنوان «الصحافة مهنة قاتلة في غزة»، وأفردت في داخلها مساحة واسعة لسرد حكاياتهم وقصص ارتقائهم شهداء. أما منظمة «فري برس أن ليمتد» الحقوقية، فقد وجدت في المناسبة فرصة لتذكير الحكومة الهولندية بمسؤوليتها الأخلاقية، داعية إياها إلى الضغط على إسرائيل، متهمة جيش الاحتلال بخوض حملة ممنهجة لتشويه صورة الصحفيين الفلسطينيين عبر وسمهم بأنهم مقاتلين وقادة في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في محاولة لطمس الحقيقة واغتيال من ينقلونها.
اجتذبت الحملة مؤسسات إعلامية حول العالم مثل «ميديا بارت» في فرنسا، و«دير فراياج» في ألمانيا، وشبكة «آر.تي.في.آي» الإسبانية، وصحيفة «لوريان لوجور» اللبنانية، وصحيفة «نيوبلوم» التايوانية، و«أجينسيا بوبليكا» البرازيلية، وموقعي «المنصة» و«مدى مصر» في القاهرة، وقناة الجزيرة القطرية.
الصحافة الإسرائيلية
كانت هناك استجابة محدودة من داخل الصحافة العبرية، حيث وقّع 131 صحفيا إسرائيليا عريضة تطالب بوقف قتل الصحفيين في غزة ووقف الحرب وإبرام صفقة تبادل أسرى.
هذه المبادرة لاقت تغطية في صحف اليسار مثل «هآرتس»، وتُعد الاستجابة العلنية الأوضح لخطاب منظمات الدفاع عن الصحفيين، رغم محدودية تأثيرها داخل إسرائيل.
أما وسائل إعلام اليمين الإسرائيلي الواسعة الانتشار مثل «يديعوت أحرونوت» و«إسرائيل هيوم» والقناة 14 فقد أعطت مساحة أكبر للرواية الرسمية لجيش الاحتلال، التي تعتبر الصحفيين الفلسطينيين «مقاتلين» أو قادة في «حماس» أو مرتبطين بها، في محاولة لتقويض الخطاب الدولي والانتقادات حول «استهداف الصحفيين».
الرد الرسمي
وزارة الخارجية الإسرائيلية ردت على الحملة بحدة وهاجمت وسائل الإعلام المنضوية في هذه الحملة معتبرة أنها «اختارت إلقاء قيم الصحافة وتعدد الآراء في سلة المهملات، ونشرت بيانا سياسيا موحدا مسبق الإعداد، وهو ما يكشف التحيز ضد إسرائيل في الإعلام العالمي».
وبالرغم من أن إسرائيل تمنع الصحفيين الأجانب من دخول غزة، فإن خارجية الكيان الصهيوني قالت إن «التقارير التي نراها في وسائل الإعلام العالمية بشأن غزة لا تروي القصة الحقيقية، هذه ليست صحافة، هذه سياسة».
وضمن الحملة كتب «تيبو بروتين» أمين عام منظمة «مراسلون بلا حدود»: «بمعدل قتل الصحفيين الفلسطينيين في غزة على يد الجيش الإسرائيلي لن يبقى قريبا من يطلعكم على آخر الأخبار.. هذه ليست مجرد حرب على غزة، بل هي حرب على الصحافة».
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
حملة التضامن مع الصحافة الفلسطينية صيحة تحذير بدأت في الغرب الذي تدعم حكوماته إسرائيل، لكنها محاولة ضميرية لإبراء الذمم أمام آلة القتل الإسرائيلية التي تريد لغزة أن تكون مقبرة للأقلام ولناقلي الحقيقة.
