احذر طبيبك النفسي!

العلاج النفسي: بين الثقة المطلوبة والنصائح المضللة (الذكاء الإصطناعي)

خطأ الطبيب النفسي أشد ضررًا من خطأ طبيب آخر؛ فالخطأ النفسي يصعب اكتشافه ويتسبب بأزمات قاسية يخسر فيها المريض سلامه النفسي، وتتراجع علاقاته، ويفقد اتزانه وربما ثقته في نفسه وفي الآخرين.
من النصائح المؤذية جدًا والتي زادت مؤخرًا: تعامل أطباء نفسيين مع مرضاهم بمنطق «الزبون دائمًا على حق»؛ فالمريض لا يخطئ أبدًا، ومن حوله يتحملون “كل” المسؤولية عن معاناته. وهذا كذب وخطأ بشع؛ فجميعنا نتحمل بعض المسؤولية عن مشاكلنا بأنواعها الاجتماعية والعاطفية والمادية وفي العمل، كالتسرع في الثقة بالآخرين أو الاندفاع في ردود الأفعال أو التحمل الزائد لمضايقاتهم، أو الحساسية المفرطة والتعامل مع الانتقاد وكأنه اعتداء على الكرامة، ومع رفض رغباتنا وكأنها تعمد لإلغاء وجودنا وانتقاص من شأننا.

خداع المريض


الكارثة في تحميل الآخرين كل المسؤولية هي دفع المريض للشعور بأنه ضحية والانكفاء على النفس والانعزال عن الناس أو التعامل بحدة وعدوانية معهم؛ وكلا الموقفين خاطئ، ويجب إفهامه “دوره” في صنع مشاكله.
مجاملة المريض وعدم إخطاره بدوره في صنع مشاكله تعني الخداع؛ وجعله يستمر في إيذاء نفسه. فكيف نتوقع أن يغير من تفكيره أو تصرفاته وردود أفعاله وطبيبه يؤكد له أن المشكلة ليست فيه وإنما في الآخرين؟ فسيظل يلقي باللوم عليهم، وينتظر تراجعهم ولن يحدث ذلك ليس لأنهم لا يهتمون بأمره، ولكن لأن نصيحة طبيبه خاطئة وربما صادرة عن قلة خبرة.

استماع وتدليل!


من أسوأ أخطاء بعض الأطباء النفسيين وضع الناس في قوالب نفسية، وتجاهل أن كل إنسان حكاية خاصة لها تفاصيلها التي ينفرد بها، حتى التوأم اللذان ينشآن في بيئة واحدة لديهما اختلافات في الشخصية والمشاعر؛ وكما لكل إنسان بصماته الخاصة كذلك لابد من احترام تفاصيل مشاعره وتركيبة شخصيته الخاصة.
اللافت أن غالبية الممثلين والمطربين يؤكدون أنهم يذهبون منذ سنوات طويلة لأطباء نفسيين، ومن الواضح أنهم لم يطلبوا منهم أي تغييرات لتصرفاتهم، ويكتفون بالاستماع إليهم.. وربما تدليلهم وإشعارهم بأنهم نجوم، ويجب على الجميع معاملتهم كذلك، وعلى الناس “الخضوع” لتقلباتهم المزاجية وتلبية رغباتهم، وبالطبع لا يجدون من يقبل ذلك إلا من يطمع في أموالهم.
أما المقربون المخلصون فسيضيقون بهم ولو بعد حين؛ فلا أحد يتمتع بنفس “السوية” ليقبل بالعبودية العاطفية لأي مخلوق، ولو كان نجمًا مشهورًا.

تقليل الألم


من خطايا بعض الأطباء النفسيين القول بأن الإنسان يجب أن يستغرق في حزنه حتى ينتهي منه وألا يتجاوزه حتى لا يعود إليه مجددًا. كأنهم يقولون لمريض السرطان أن يسمح له بالانتشار داخله وألا يبدأ العلاج إلا في المراحل المتأخرة.
والصواب في كل الأمراض الجسدية والنفسية أن الاعتراف بالمرض والمسارعة بالعلاج يقللان من آثارهما الجانبية، ويجعلان العلاج أيسر وأقل ألمًا، والعكس صحيح.
المؤكد أن الاستسلام للحزن كمن يلقي بنفسه في الرمال المتحركة، وكلما تأخر في القفز بعيدًا عنها كان ذلك أصعب وكلفه جهدًا قاسيًا. الحزن يأكل الصحة النفسية ويؤثر بالسلب على صحة الجسد، وينهك العقل ويتسبب في تأخير الإنجازات؛ مما يزيد الحالة النفسية سوءًا ويربك العلاقات الإنسانية، وقد يبتعد عمن يحبونه أو يسيء إليهم.

استغلال عاطفي


ننبه لخطورة النصيحة القاتلة بتجنب الأهل عند حدوث المشاكل معهم، بالتعامل معهم كالغرباء ووضع سواتر نفسية معهم بحجة حماية النفس! فمن تفسد علاقته بأسرته لن يفز بالصحة النفسية، وسيكون كمن يعرض نفسه لفقدان المناعة العاطفية، ويصبح أكثر عرضة للاستغلال العاطفي ممن يعرفون مشاكله مع أسرته، ويتمكن بسهولة من السيطرة العاطفية عليه. ويحدث ذلك للجنسين ومن كل الأعمار.
في المعارك مع الأهل الطرف الذي يبدأها هو الخاسر الأكبر، والطبيب النفسي “يؤذيه” بالتحريض عليهم، ولا ينصحه بخطوات عملية “لنزع” فتيل المعارك بحكمة وتدرج وعدم تصعيد الخلافات التي لا تخلو منها أي علاقات أسرية.
نذكر المثل الإنجليزي: “حتى تنشأ مشاجرة يجب أن يرغب الطرفان بذلك”؛ ولا ندعو للسلبية أو التنازل عن الكرامة، ونطالب بالحرص على حماية النفس من نيران المشاكل الأسرية وخاصة مع الوالدين والإخوة وإطفائها أولًا بأول وعدم المبالغة فيها وتجنب رؤية النفس ملاكًا لا يخطئ، والأهل شياطين؛ فلا أحد ملاك وقد نخطئ بدون تعمد.

ضمير الطبيب


كلما زاد الذكاء قل التراجع عن الخطأ، وكلما اتسع “ضمير” وخبرة الطبيب النفسي نبه المريض إلى أخطائه وكيفية تصحيحها، والعكس صحيح.
الطبيب النفسي الناجح والأمين لا يجعل المريض يعتمد عليه نفسيًا كأنه يحتاج إلى عكاز، بل ينمي مهاراته في التعامل مع الحياة.
إذا طبقت نصيحة طبيبك النفسي فوجدت المشكلة تتفاقم وثقتك بنفسك تقل وازداد غضبك؛ فتوقف فهي نصيحة سيئة.
من النصائح الخاطئة تجاهل المشاعر السلبية؛ وكأننا نغطي النيران لإخفائها فستشتعل. ونصيحة: “لا تهتم برأي الناس” كأن الجميع أعداء؛ ومن المؤكد أننا نستطيع الاستفادة من بعض الملاحظات؛ فليس من الطبيعي أن الجميع يتربصون بنا لمضايقتنا.

خيانة وأذى


من الخيانة للمريض عدم مواجهته بأن مبالغته في التألم من موقف أو من شخص تجعله يهرب من باقي مشاكله وستكبر في غفلةٍ منه.
من النصائح المؤذية: “واجه الناس بأخطائهم”؛ فلا أحد يحب أو يتقبل ذلك، والأذكى القول: تعلّم كيف تتجنبها أو تخبرهم عنها “بلطف”.
تذكر أن العلاج النفسي ليس فضفضة فقط، فلابد أن يقودك لحل مشاكلك أو تخفيف حدتها. والتعافي يحدث فقط مع التشخيص الحيادي والعلاج الصحيح وليس استنزافًا للمريض ماديًا.
وإذا لم تتحسن نفسيًا خلال جلستين وبدأت تفتح ثغرات لحل مشكلتك؛ فابتعد.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان