إشكاليات الصراع والحرب بين أمريكا والصين

تنظر الولايات المتحدة إلى الصين كمهدِّد استراتيجي لهيمنتها على العالم، والهيمنة تعني القدرة على فرض وتحقيق المصالح على حساب الآخرين. وثائق الأمن القومي الأمريكي اعتبرت الصين دولة متقدمة تكنولوجيًّا واقتصاديًّا وتجاريًّا، بما يمكنها من تغيير النظام الدولي. وأنها “الخصم الرئيسي المحتمل”، ودولة تشكل خطرًا أساسيًّا على “استقرار النظام العالمي والاقتصاد العالمي المفتوح”.
ويمكن القول إن جانبًا مهمًّا من التحركات الأمريكية اتجاه روسيا -حصارًا واستنزافًا وتفاوضًا- خلال الحرب في أوكرانيا، ارتبطت بالصراع الأهم مع الصين، سواء خلال حكم بايدن أو بعد عودة ترامب إلى الحكم. والفرق بين سياسة الرئيسين أن بايدن كان يسعى إلى “تركيع” روسيا للوصول إلى الصراع مع الصين وحدها، أما ترامب فيراهن على الاستفادة مما حققه بايدن لـ”جذب” روسيا بعيدًا عن الصين.
ورد في وثيقة الأمن القومي التي صدرت خلال إدارة بايدن: “تشكل روسيا تهديدًا فوريًّا للنظام الدولي الحر والمفتوح، وتنتهك بشكل متهور القوانين الأساسية للنظام الدولي، كما أظهرت حربها العدوانية الوحشية ضد أوكرانيا”. ولذلك تعامل بايدن مع هذا التهديد “الفوري” بإشعال حرب أوكرانيا. وورد في نفس الفقرة: “أما الصين، على النقيض من ذلك، فهي المنافس الوحيد الذي لديه نية لإعادة تشكيل النظام الدولي، بامتلاكه وبشكل متزايد القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية التي تسعى لتحقيق هذا الهدف”. ولذلك جاء تحرك بايدن استراتيجيًّا عبر تطويق الصين في محيطها.
وقد شهدت ولاية ترامب الأولى (2016–2020) طلقة بداية الصراع مع الصين، واستهدفت إضعاف الشركات الصينية المنافسة للشركات الأمريكية -“هواوي” نموذجًا- وجاء تحرك بايدن (2020–2024) “استراتيجيًّا”، عبر تطويق الصين بحلفين أمنيين، أحدهما “أكواد” ويضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، والآخر “أوكوس” ويضم الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا.
وبعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض (2024) جدّد دفع الصراع الاقتصادي، فأطلق حربًا تجارية كاملة مع الصين. لكنه لم يُلقِ بالًا لضرورة الحفاظ على الحلفاء الذين تمكن بايدن من حشدهم لتطويق الصين. لم يتخذ ترامب قرارات رفع الرسوم الجمركية على الصين وحدها، بل شملت القرارات كل حلفاء أمريكا بما فيهم بريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والهند أيضًا.
وقد استخلصت بعض الكتابات أن حربًا ستنشب بين أمريكا والصين، ووصل البعض إلى حدّ تحديد مواعيد متوقعة لاندلاعها. غير أن التقديرات الاستراتيجية تميل إلى تأكيد أن أقصى ما يمكن أن يجري بين الولايات المتحدة والصين هو إطلاق حرب غير مباشرة، أي تكرار لتجربة أوكرانيا وروسيا، عبر تايوان أو الفلبين، أو عبر تحالف يضم تايوان والفلبين واليابان وكوريا الجنوبية، دون مشاركة الهند.
وقد بُنيت تلك التقديرات على فرضية أن لا حرب بين الصين وأمريكا إلا أن تصبح حربًا نووية، وأن الحرب المباشرة قد ولى زمنها بعد أن باتت الصين تملك القدرة على إيصال المقذوفات النووية إلى كل الأراضي الأمريكية. ورسمت التوقعات أن يجري الصراع بين الولايات المتحدة والصين على نفس منوال الصراع بين أمريكا (والناتو) وروسيا -عبر دول أخرى بهدف الاستنزاف- إذ الكل خاسر في الحرب المباشرة وبنتيجة صفرية لصاحب الضربة النووية الأولى ولمن يقوم بالرد.
وبذلك، فليس مؤكدًا فقط أن لا تشتعل حرب بين الجيشين الأمريكي والصيني، بل أيضًا أن لا احتمال لتدخل مباشر من الجيش الأمريكي للدفاع عن تايوان، قياسًا على تجربة عدم إقدام الولايات المتحدة والأطلسي وأوروبا على التدخل المباشر في حرب أوكرانيا. والاحتمال المرجح أن تجري عملية استنزاف للصين-مثل روسيا- عبر حرب مع دولة واحدة، تحديدًا عبر تايوان التي لا توجد على أراضيها قوات أمريكية. أما إن اندلعت حرب ذات طابع إقليمي بين الصين وحلفاء أمريكا، فذلك أمر خطِر بحكم وجود قوات أمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين.
وفي ذلك إشكاليات مهمة على صعيد القرار وإدارة الصراع والحرب.
حرب غير مباشرة
الإشكالية الأولى: تتعلق بعدم وجود خبرة سابقة في الحرب ضد الجيش الصيني، بما يضعف القدرة على القياس والتوقع. هي حالة حرب جديدة كليًّا. فالصين لم تدخل حروبًا بما يمكن الجيوش الأخرى من توقع السلوك العملي وتحديد القدرات والتكتيكات ومعرفة أنماط التسليح الفعلية. نعم، لقد تحارب الجيشان خلال الحرب الكورية في مطلع خمسينيات القرن الماضي عبر مساندة صينية غير نظامية لكوريا الشمالية، لكن الجيش الصيني الراهن ليس الجيش الصيني السابق كليًّا. وتلك وضعية مختلفة على صعيد المعرفة والتوقع مقارنة بحالة الحرب مع الجيش الروسي، الذي كان قد دخل في عدة حروب قبل حرب أوكرانيا (أفغانستان، وجورجيا، واحتلال القرم) وكلها سبقت الحرب الأوكرانية الراهنة.
لكن الأمر مختلف بالنسبة للجيش الصيني. فالتسليح والخطط العسكرية والتكتيكات الأمريكية التي ستكون في المواجهة عبر دولة ثالثة مكشوفة للجيش الصيني، بحكم دخول الولايات المتحدة لعشرات الحروب.
الإشكالية الثانية: أن الاقتصادين الأمريكي والصيني في حالة ارتباط عضوي، بما يجعل قرار الحرب صعبًا. وقد أثبتت المواجهة التي جرت بعد فرض ترامب رسومًا جمركية على الصين مدى تأثير الاقتصاد الصيني في نظيره الأمريكي والعكس صحيح. وكذلك حال التشابك بين اقتصادات كوريا الجنوبية واليابان مع الصين. وهو ما يعني ضرورة فصل المسارات الاقتصادية أولًا، وهي عملية اقتصادية وتكنولوجية معقدة وتحتاج إلى مدى زمني حتى لا تؤثر في الإنتاج الصناعي العسكري.
الإشكالية الثالثة: تتعلق بالوقت والزمن. وفقًا لما يُنشر أمريكيًّا، فإن إطلاق الحرب باتجاه تايوان هو قرار صيني ستكون الولايات المتحدة خلاله في موقف الرد المساند. والمعنى هنا أن الصين هي التي ستقرر الحرب وفقًا لتوقيتها، أو تقرر شن الحرب وفقًا للمعطيات على الأرض. ومعلوم أن الحل المفضل صينيًّا هو المراهنة على تطوير الجناح السياسي الموالي لها في تايوان على حساب الجناح الداعم للانفصال، وأن يحدث التوحيد سلميًّا. وهي تتحدث عن الحرب فقط في حال اتخاذ تايوان قرارًا بالانفصال العدائي.
هل تتشكل كتلة حربية إقليمية لحرب الصين؟
الإشكالية الرابعة: تتعلق بإمكانية تشكيل تكتل حربي إقليمي يخوض حربًا مع الصين بسبب الإرث التاريخي المعقد بين دول المنطقة. فكوريا الجنوبية التي يُفترض أن تكون في تحالف مع اليابان، لا تزال تنظر إليها نظرة يشوبها العداء، إذ لم تُحل المشكلات الناجمة عن الاحتلال الياباني لشبه الجزيرة الكورية (1910–1945). وكوريا الجنوبية أيضًا لديها إشكاليات تجعلها تتريث في الانضمام إلى تحالف يحارب الصين، أهمها عدم تقديم مبرر لدفع كوريا الشمالية إلى الدخول في الحرب. والفلبين كذلك لديها حسابات مع الإرث الاستعماري الياباني.
الإشكالية الخامسة: الأكثر وضوحًا في الأيام الأخيرة تتعلق بموقف الهند. والهند وفقًا لمرحلة بنائها وتطورها الراهنة، وما تفرضه مصالحها الاقتصادية، وبالنظر لسياستها الخارجية المستقلة، وبحكم طبيعة علاقاتها مع روسيا (حليف الصين)، ليس مرجحًا أن تقدم على اتخاذ قرار بالحرب مع الصين لفترة طويلة قادمة. مفهوم أن ثمة دوافع بعضها يتعلق بالتحالف المتنامي بين باكستان والصين، وبعضها يعود للصراع الحدودي مع الصين. ومفهوم أن للهند طموحات استراتيجية كبرى، لكن تلك العوامل ذاتها قد تطرح أيضًا عدم تحرك الهند في مواجهة الصين. ولعل ما فعله الرئيس ترامب مؤخرًا من رفع الجمارك على السلع الهندية بنسبة 50% بحجة استيرادها للنفط الروسي قد أبعد شبح دخول الهند للحرب مع الصين خلال حكم ترامب على الأقل.
الإشكالية السادسة: تتعلق بمدى الثقة التي تكنها الأطراف الإقليمية المرشحة لدخول الحرب في وفاء الولايات المتحدة لحلفائها. فاليابان، ورغم مراراتها مع الصين، فإن قطاعًا كبيرًا من شعبها لا ينسى القصف الأمريكي لأرضها بالسلاح النووي، ويرى أن أمريكا لا تزال دولة محتلة لليابان منذ الحرب العالمية الثانية. وكوريا الجنوبية تنظر بقلق هي والفلبين وتايوان وغيرها إلى مدى استمرارية التوجهات الأمريكية بعد تبدل موقف ترامب من الحرب في أوكرانيا. وكذلك بحكم قرارات ترامب بفرض رسوم جمركية على سلع تلك الدول بما يضر باقتصاداتها ويدفعها إلى التمسك بالتعاون مع الصين.
