«بلير» يحل مكان الشيطان على مائدة غزة

«الشيطان لم يكن متاحًا، فحلّ مكانه توني بلير»؛ بهذه العبارة الساخرة لخّصت صحفية بريطانية موجة الغضب والجدل التي أثارها ظهور رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في اجتماع البيت الأبيض لبحث مستقبل غزة بعد الحرب.
بلير، الاسم الذي ارتبط في ذاكرة العالم بتوريط بريطانيا في غزو العراق وتضليل الرأي العام حول أسلحة الدمار الشامل، يعود اليوم ليقدّم نفسه طرفًا في الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحًا: «ما هو مستقبل غزة؟».
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ذلك السؤال الذي ظل حبيسًا بين نتنياهو وترامب، بعيدًا عن العرب والفلسطينيين أنفسهم، أصبح يُناقش من جديد بغياب كامل لأي تمثيل فلسطيني أو عربي. فقد وجّه ترامب في نهاية أغسطس/آب الماضي دعوة إلى بلير، رفقة مهندس «اتفاقات أبراهام» جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف المبعوث الخاص لترامب للشرق الأوسط، ورون ديرمر وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، لمناقشة خطط عنوانها: «غزة بعد الحرب».
مهندسو الخراب
هكذا بدا المشهد: مستقبل غزة والضفة الغربية أيضًا يُرسم على طاولة البيت الأبيض، لا بحضور أهلها أو ممثليهم، بل عبر شخصيات سياسية ارتبطت أسماؤها بالحروب والخراب ونهب خيرات الشعوب. وهنا تبرز مقولة «الشيطان يكمن في التفاصيل»؛ ليس فقط في خطط الاستثمار ومشاريع «الريفيرا» التي تتجاهل حق الفلسطينيين في أرضهم، بل في اجتماع جمع مجموعة من مهندسي الخراب دفعة واحدة، يتقاسمون كعكة غزة بينما تبقى المصلحة الإسرائيلية هي العنوان الأبرز.
إرث توني بلير
يُسجَّل لتوني بلير تاريخ سياسي دولي مثقل بالخراب والدماء، تاريخ ما زالت تداعياته تلقي بظلالها على شعوب دول عدة، وكان أبرزها غزوه للعراق عام 2003، الذي يراه الكثيرون واحدًا من أكثر أفعاله إضرارًا بالإنسانية.
فقد دعمت حكومته المبررات الأمريكية لغزو العراق بحجة امتلاك بغداد لأسلحة دمار شامل، وروّجت لما عُرف بـ«ملف الـ45 دقيقة» الذي ادّعى قدرة العراق على استخدام هذه الأسلحة خلال وقت قصير. وهو ذات الادعاء الذي روجت له أمريكا لضرب المفاعل النووي الإيراني، ليتضح لاحقًا أن كل ذلك كان محض افتراء.
ورغم الانقسام الحاد في البرلمان البريطاني ومعارضة قطاعات واسعة من الرأي العام آنذاك، تمكّن بلير من تمرير قرار المشاركة العسكرية. وكانت النتيجة إسقاط نظام صدام حسين بدعوى نشر الديمقراطية، لكن بثمن فادح تمثّل في مقتل حوالي مليون عراقي وتأجيج فوضى الطائفية ونهب ثروات العراق.
ورغم أن التحقيق الرسمي البريطاني حول غزو العراق الذي صدرت نتائجه في 2006 وصف دور الحكومة وقرارات بلير بأنها كارثية، وأكد أن الحكومة البريطانية استندت إلى معلومات استخبارية كاذبة، فإن توني بلير لم يُحاسب على قراراته. والأدهى من ذلك أنه قال في مقابلة صحفية: «الناس يريدونني أن أعتذر عن قرار غزو العراق، لكنني لا أستطيع فعل ذلك». وأوضح أنه لو عاد إلى نفس المكان لاتخذ نفس القرار، لأنه واثق من صوابيته.
وفي أفغانستان، دعم توني بلير التدخل العسكري ضمن تحالف الناتو بعد هجمات 11 سبتمبر للقضاء على القاعدة، لكن الفساد وضعف التخطيط فاقما المعاناة الإنسانية، وأسفر هذا التدخل عن مقتل نحو 170 ألف مدني. في النهاية، لم تسقط طالبان، وانسحبت القوات الأمريكية والناتو في أغسطس 2021 بعد عقدين من التدخل، مما يعكس فشل العملية على الصعيدين الإنساني والسياسي.
لم يقتصر الجدل حول بلير على السياسة الشرق أوسطية فقط، بل امتد إلى قضايا البيئة والمناخ. فقد أكدت فاينانشال تايمز أن معهد توني بلير رُفضت مشاركته في مؤتمر “COP30” بالبرازيل (في نوفمبر المقبل) بسبب مخاوف من تضارب المصالح وسمعته المثيرة للجدل، إذ يرتبط بعلاقات استشارية مع حكومات وشركات مرتبطة بالطاقة التقليدية. وهو ما جعل بعض المنظمين يعتبرون أن حضوره قد يُضعف مصداقية المؤتمر أمام الرأي العام العالمي.
بلير وغزة
هذا هو إرث بلير المتهالك الذي تعمل الإدارة الأمريكية على ترميمه عبر بوابة غزة. فيُفتح له الباب عبر سياسة وصائية استعمارية، سياسة لا تبتعد كثيرًا عن إرث بريطانيا الطويل في خدمة مصالحها المتسقة مع المصالح الصهيونية على حساب الشعوب.
بلير، الذي غادر رئاسة الحكومة البريطانية بعد أن فقد مصداقيته، لم تيأس بريطانيا وأمريكا من إعادة إحيائه، فدعموه ليكون مبعوثًا للجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط (2007–2015). أعيد هذه المرة لخبرته بالمنطقة وشبكة علاقاته وقدرته على تمرير الأجندات، لكنه غادر الرباعية فارغ اليدين، دون أي إنجاز يُذكر.
ظهوره في البيت الأبيض بدا مفاجئًا للكثيرين، إلا أنه في الحقيقة لم يكن غائبًا عن دوائر السياسة الأمريكية طوال السنوات الماضية، بل مارس دورًا استشاريًّا عبر معهد بلير للدراسات، خصوصًا خلال 2017–2020 حين قاد جاريد كوشنر صفقة القرن مستعينًا باستشاراته.
استدعاء ترامب لشخصية بريطانية مثل بلير يهدف إلى إضفاء طابع دولي على مستقبل غزة، لإيهام الرأي العام بأن القرار لا يعود لأمريكا أو إسرائيل وحدهما. بلير، رغم أنه لا يشغل منصبًا رسميًّا حاليًّا في بريطانيا، يُعتبر وجهًا مؤثرًا في صياغة السياسات البريطانية خلف الكواليس.
ما يعنينا الآن هو أن هذا الاجتماع يعد الأخطر منذ بدء الحرب على غزة، إذ يأتي في توقيت بالغ الأهمية مع إجراءات بدأت تُنفذ فعليًّا على الأرض، أبرزها: محو القطاع، وتسارع بناء المستوطنات استعدادًا لضم الضفة، والسعي لعرقلة الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
فالاجتماع، الذي حاول ترامب التقليل من أهميته وإضفاء الغموض على مداولاته، يؤكد أن الخرائط رُسمت والمشاريع العقارية أُقرّت، وأن تصفير القضية أصبح وشيكًا. غير أن إرادة الفلسطينيين وصمود مقاومتهم وحدهما قد يطيحان بكل هذه المخططات.
