أطفال بلا طفولة: عمالة الصغار بين الحاجة والاستغلال!

عمالة الأطفال صورة التقطها الكاتب

على معدية صغيرة تعبر نهر النيل من البر الشرقي إلى البر الغربي، اتخذت مقعدا وسطيا أراقب حركة الناس. لفت انتباهي ثلاثة أطفال لم يتجاوز أكبرهم الثانية عشرة، يبيعون حلوى السكر «المنفوش» للركاب. لم تخطئ عيني ملامح المعاناة الممزوجة بالجدية والتحدي في وجوههم الصغيرة، وجوه صاغتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية، وارتفاع الأسعار الذي يضغط على الأسر في البلاد.

لم يكن هذا المشهد استثناء، فقد تكرر أمامي في أماكن عديدة: أمام المخابز، في متاجر الدواجن، داخل المقاهي والمطاعم. أطفال دون العاشرة يعملون بجدية تفوق أعمارهم، وفي الريف المصري يتضاعف حضور هذه الظاهرة، إذ تجد الأطفال في الحقول يجمعون المحاصيل أو يرعون الماشية. يكاد لا يوجد مكان في مصر إلا وتجد فيه أطفالا يعملون.

الدراسات تحذر من انتشار الظاهرة

ووفقا لمسح قومي أُجري قبل سنوات عدة، بلغت نسبة الأطفال العاملين في مصر نحو 26% بين سن 12 و17 عاما، وقد حذرت منظمة العمل الدولية بالقاهرة وقتها من مخاطر عمالة الأطفال، معتبرة أن الظاهرة تنذر بعواقب خطيرة على المجتمع.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لكن الأمر لا يتوقف عند مجرد العمل، بل يتعداه إلى ما هو أخطر. فهناك عصابات تستغل الأطفال بطرائق ممنهجة، مستفيدة من هشاشة ظروفهم. يتم بيع بعضهم والمتاجرة بأعضائهم أو استغلالهم في تجارة الجنس والمخدرات، ما يترك آثارا مدمرة في صحتهم ونفسياتهم، ويجعلهم ضحايا لا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في بيئة فقيرة.

الأثر النفسي والاجتماعي

الدراسات العديدة حول عمالة الأطفال ركزت على الأثر السلبي في نموهم الجسدي والعقلي والنفسي، فالأطفال العاملون يتعرضون لإصابات وأمراض مهنية في بيئات لا تناسب سنهم، ويُحرمون في الوقت ذاته من فرص التعليم، مما يقطع الطريق أمام مستقبلهم. أما التأثير النفسي فيترك جراحا لا تندمل: إحباط، فقدان ثقة بالنفس، شعور بالدونية. بعضهم قد ينزلق إلى الشارع، يفضل حياة التشرد على بيت لا يمنحه الأمان، ليصبح عرضة للإدمان والمخدرات.

ورغم وجود أطفال مدللين في مجتمعات أخر، يبقى هؤلاء الصغار الذين يواجهون قسوة الحياة أكثر إثارة للانتباه، فهم يتحملون المسؤولية مبكرا، يعيشون كرجال صغار لم يعرفوا لهو الطفولة. دائما ما تثير مقارنتهم بأطفال أوروبا المرفهين أو أبناء الطبقة الثرية في مصر شعورا بالأسى، فأطفال الرفاهية الذين يغرقون في الدلال غالبا ما يفتقرون إلى القدرة على مواجهة مشاق الحياة، بينما أطفال المعاناة يواجهونها وجها لوجه.

تزايد هجرة القُصَّر عبر المتوسط

الأطفال الذين يعملون مبكرا يتعاملون مع المجتمع بقسوة، لأنهم يرون أن المجتمع لم يرحم طفولتهم، وفي بعض مناطق الريف المصري يُعدّ عمل الطفل مبكرا «مفخرة» ودليلا على النضج والتميز، لكن الحقيقة تكمن في الفقر وتدني مستوى المعيشة.

أتذكر أن صديقا لي يعمل مترجما في ألمانيا روى لي حادثة مؤثرة: استُدعي لترجمة أقوال طفل مصري يبلغ 15 عاما، بكى أمامه وهو يحكي كيف دفعه والده للسفر مع أبناء بلدته إلى ليبيا، ومنها إلى إيطاليا عبر البحر، ثم إلى ألمانيا. هجرة القُصَّر عبر ليبيا إلى أوروبا، وخاصة إيطاليا، أصبحت ظاهرة واسعة رغم مخاطرها المميتة.

حادثة أخرى لا تزال عالقة في الذاكرة هزّت مصر قبل سنوات: فقد غرق 23 طفلا تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عاما عندما سقطت سيارة تقلهم من فوق معدية في محافظة المنوفية، أثناء عودتهم من العمل في مزرعة دواجن. كان عملهم يتلخص في جمع البيض وتنظيف المزارع. الحادث كشف جانبا مأساويا من اعتماد آلاف المزارع ومحال بيع الدواجن على الأطفال القُصَّر، وسط ظروف عمل خطرة، وأحيانا على وسائل نقل متهالكة.

ظاهرة المعديات بحد ذاتها مأساة أخرى، فهناك أكثر من 12 ألف معدية في مصر تنقل الناس عبر الأنهار والفروع المائية، ومعظمها بحاجة ماسة إلى الصيانة، والمفارقة أن المعدية التي ركبتها أنا كانت تُقاد هي الأخرى بوساطة طفل لم يتجاوز السادسة عشرة! كثير من أطفال المدارس والأطفال العاملين يقطعون النهر يوميا عبر هذه المعديات، معرضين حياتهم للخطر.

القوانين تمنع عمالة الأطفال.. ولكن!

من الناحية القانونية، المادة رقم 64 من قانون الطفل المصري تحظر تشغيل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما، مع استثناء محدود للأعمال الموسمية التي لا تسبب ضررا لصحتهم، كما تنص المادة 80 من الدستور المصري على التزام الدولة برعاية الطفل وحمايته من العنف والإساءة والاستغلال الجنسي والتجاري، وتحظر تشغيله قبل إتمام التعليم الأساسي، أو في أعمال تعرضه للخطر.

لكن غياب التطبيق العملي لهذه القوانين وغياب الرقابة الفعالة يجعلان من عمالة الأطفال أمرا لا مفر منه في ظل الغلاء والأزمة الاقتصادية، ولا يقتصر الوضع على مصر وحدها، بل يمتد إلى المنطقة كلها. أطفال الدول المجاورة يعانون ظروفا مشابهة بسبب الحروب والعنف، وتبقى المأساة في غزة الأكثر إيلاما: أطفال يعيشون تحت الرعب والجوع والقتل. حتى من ينجون منهم ويصلون إلى أوروبا يواجهون التمييز والعنصرية، ورغم نجاح بعضهم في الاندماج وتحقيق إنجازات، فإنها تبقى استثناءات محدودة وسط معاناة واسعة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان