جيل “زد”: يهود نعم.. صهاينة لا

أعضاء منظمة ناطوري كارتا اليهودية المناهضة للصهيونية يرفعون لافتات ضد الحرب في غزة أمام القنصلية الأمريكية في تل أبيب (الفرنسية)

حتى حلول سبتمبر/أيلول الجاري، أخذت صحيفة «الجيروزاليم بوست» الإسرائيلية في تكرار الدعوة لترشيح 25 شابا صهيونيا من مختلف أنحاء العالم (أقل من 45 سنة)، ستُعلن قائمة بأسمائهم لعام 2025 بالمشاركة مع الصندوق القومي اليهودي بعد أيام، وللعام الثاني على التوالي، وباعتبارهم رواد المستقبل الأكثر تأثيرا في خدمة إسرائيل. ولست في حاجة لتبيان دلالة المبادرة وتوقيتها.

قائمة مضادة

الدعوة تستدعي التفكير في مبادرة مضادة لاستكشاف قائمة بيهود ضد الصهيونية بين الجيل الجديد الصاعد الواعد بدوره، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، والمؤثر بخاصة بين جيل (زد)، الذي يتعرف إلى واقعه والعالم عبر ثورة التكنولوجيا الرقمية، ولا يتجاوز عمره الثلاثين سنة.
يلفت البحث عن القائمة المضادة النظر إلى متابعة نهوض الحركات والشخصيات اليهودية المؤثرة المعادية للصهيونية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، التي تقوض الأساطير المؤسسة لإسرائيل وستشارك في تحديد مستقبلها، وبعدما نشرت هنا مقالا بعنوان: «ليس كل اليهود سواء» في 28 أكتوبر 2023، وبما يساعد في فهم كيف تطورت حركات وظهرت شخصيات مؤثرة مناهضة للصهيونية في الغرب خلال نحو العامين؟

من الأكاديمية إلى المجتمع

منذ أشهر، بدا كأن قدرة جيل جديد من هذا النوع على التعبئة الاحتجاجية والمطلبية لتصعيد الحراك من أجل غزة وفلسطين داخل الجامعات وخارجها في انحسار، وبخاصة في الولايات المتحدة، بعد إجراءات ترامب القمعية ضد الحريات الأكاديمية فور عودته للبيت الأبيض، وفي سياق سعي اليمين الأمريكي الصهيوني لتقويض مكتسبات حراك أسهم في تطويره أساتذة وقادة من الخريجين والطلبة اليهود، ويُعد الأهم في تاريخ التمرد الطلابي الشبابي منذ حرب فيتنام ضد النظام الرأسمالي، وبعقر دار زعامته.
وهناك أكاديميون بارزون في الغرب تجاوز تأثيرهم حرم الجامعات إلى المجتمعات، يتفاعلون بكثافة ولحظيا مع الجيل الجديد، باستخدام أحدث منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب إسهاماتهم المقدَّرة بالكتابة للصحف ودور النشر.

على سبيل المثال، يبرز الأمريكي نورمان فنكلشتاين، ويصدر له قريبا كتاب جديد مرتقب بعنوان «حفارو قبور غزة: تحقيق في فساد المناصب العليا»، والأمريكيتان أيضا دونا نيفل أستاذة علم النفس الاجتماعي وأليسون وير مؤسسة الموقع الإلكتروني «إذا عرف الأمريكيون»، وفي بريطانيا إيلان بابيه وتوني جرينشتاين وحاييم بريشيث وسارة كلبورن، ومن كندا نعومي كلاين وهايدي ماثيوز، والنمساويتان داليا ساريك وأستريد فاجنر ومواطنهم شلومو ساند، وغيرهم كثر بالقارتين الأوروبية والأمريكية الشمالية.
كما ينخرط أمثال هؤلاء في حركية متعاظمة بين الجيل الجديد من يهود المجتمعات الغربية، مع جهود مثابرة لتأسيس وإحياء تنظيمات مناهضة للصهيونية جاذبة «لشباب زد»، وبناء تحالفات بينها. ومثلا أعلن فنكلشتاين 30 أغسطس/آب 2025 عن مبادرة باسم «لجنة العمل السياسي الأمريكي المناهضة للصهيونية» لدعم المرشحين المستقلين الرافضين لأموال اللوبي الصهيوني، وبشعار «الولاء للولايات المتحدة أولا».

معركة حامية حول فك الارتباط

الصعود المستمر لمناهضة الصهيونية بين اليهود، وشبابهم بالأخص، يستنفر سياسات رسمية قمعية تقارب الفاشية والمكارسية، بل وتقوم المنظمات الصهيونية الكبرى، وهي لا تُخفي قلقها، بملاحقة منظماتها وشخصياتها.
مثلا تختص منظمة «مهمة الكناري» بالتعقب ونشر الملفات والضغط من أجل حرمان هذه الشخصيات من فرص العمل، وملاحقة من يعمل بالمضايقات والشكاوى بهدف الاستغناء عنهم، أو منعهم من الترقي لأعلى وفوزهم بمناصب منتخبة.
في 31 يناير/كانون الثاني 2025، نشرت المنظمة الصهيونية العالمية بالولايات المتحدة قبل مؤتمرها السنوي بأيام قائمة بثمان منظمات علمانية ودينية لليهود الأمريكيين اعتبرتها الأخطر في مناهضة الصهيونية.
والواقع أن معركة فك ارتباط اليهود بالصهيونية حامية الوطيس، وكسبها ينزع الشرعية عن إسرائيل «كدولة يهودية».

تحولات يهود بريطانيا نموذجا

في 10 إبريل/نيسان 2025، نشرت «ذا جوش كرونيكل» كبرى وأقدم الصحف اليهودية البريطانية تحقيقا مطولا بعنوان: «من هم شباب اليهود الذين تحولوا ضد إسرائيل؟».
ويتضمن نتائج استطلاعات رأي بعد 7 أكتوبر بين «جيل زد» من يهود بريطانيا تُفيد بتزايد نسبة المعادين للصهيونية، ويوثق لنشأة مجموعات يهودية بالجامعات تتدرج مطالبها من المقاطعة الأكاديمية للجامعات الإسرائيلية إلى وقف أي دعم لتل أبيب، والاعتراف بفلسطين وحقوق شعبها، وبينها العودة وتقرير المصير.
ينقل التحقيق عن باحثين متخصصين انجذاب هذا الجيل للأفكار التقدمية، التي ترى إسرائيل استعمارا عنصريا، مع تمسكه بالتدين اليهودي في الوقت نفسه، وانهيار المفعول الدعائي السابق لاستضافة إسرائيل السخية للشباب اليهودي.
يقول التحقيق إن المناهضين للصهيونية ما زالوا أقلية بين اليهود لكنها تنمو بسرعة، ويستشهد بتساؤل النائب سام كوهين بمجلس العموم: «ماذا نفعل لعزوف شبابنا اليهود عن إسرائيل؟»، ما يدعونا للانتباه لكتلة أخرى ما زالت في مرحلة بينية/وسط، لم تعد تكترث بإسرائيل، لكنها لا تناهضها بالأقوال والأفعال بعد.
ثمة ملاحظات مهمة أخرى بالتحقيق، فأبناء هذا الجيل يشاركون في مظاهرات جماهيرية مع غزة، دون خوف من التعرض لمضايقات من منطلقات «معاداة السامية»، ولا يرفع في المظاهرات مطلب «إطلاق سراح الرهائن بغزة».

فيينا بين هرتزل وهتلر ونتنياهو

الملاحظة الأخيرة نفسها وردت في نص بالإنجليزية 18 يونيو/حزيران 2025 بالموقع الإلكتروني لمجلة «ك» ليهود أوروبا القرن 21، بعنوان: «بداية النهاية لإسرائيل.. تقرير من فيينا عن أول مؤتمر يهودي مناهض للصهيونية»، وجاء تحت شعار «لا هرتزل ولا هتلر»، والمعروف استضافة فيينا أول مؤتمر للمنظمة الصهيونية العالمية بقيادة هرتزل 1897.
من جانبها تساعد هذه التغطية الصحفية النادرة في “الميديا” باللغة الإنجليزية على بناء قائمة معتبرة من أسماء يهود مخضرمين وشباب من أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، أصبحوا بمثابة علامات فكرية وحركية لمناهضة الصهيونية.
وقد انتهى المؤتمر بإصدار 35 شخصية «إعلان فيينا.. اليهودية لا تعني الصهيونية»، بعد مناقشات أعادت اكتشاف ضرورة تحرير اليهود من الصهيونية، وليس فقط تحرير كل فلسطين.
من جانبنا، نلاحظ هنا عمق الرؤية وصدقها عند يهود أحرار يرون في شعار «حل الدولتين» وهما وخداعا، لم ينتج منذ أوسلو 1993 إلا تغطية المزيد من الاستعمار الاستيطان الإحلالي لـ”الأبارتهايد” العنصري الإرهابي، ولن ينتج مستقبلا.

انقسام يتعمق وإحياء تيار الاندماج

منذ نهوض مناهضة الصهيونية بين اليهود بعد 7 أكتوبر، تتويجا لمسار سبقها بنحو عقد كامل، كان ملحوظا هذا الانقسام داخل جماعات اليهود في الغرب، واليوم يتعمق هذا الانقسام، فيضرب داخل المؤسسات/المنظمات التقليدية الكبرى، مثل «مجلس نواب اليهود البريطانيين»، حيث نشر 36 نائبا رسالة مفتوحة بـ«الفاينانشال تايمز» في إبريل/نيسان 2025 ضد سياسة إسرائيل في الضفة وغزة.
تحولات بعد 7 أكتوبر عديدة، ومن أهمها باعتقادي العودة لأفكار وتيار الاندماج داخل المجتمعات/الأوطان السائد بين يهود أوروبا وعمالهم الاشتراكيين، وبالأخص أتباع حزب «البوند»، في القرن التاسع عشر حتى صعود النازية.
والآن ثمة إحياء غير مسبوق لحقيقة هامشية الحركة الصهيونية بين هؤلاء اليهود قبل «الهولوكوست» الهتلري.
ولعلنا أمام طبعة جديدة من هذا الاندماج عندما نلاحظ انتقال اليهود ضد الصهيونية من التظاهر غير المسبوق بالآلاف إلى الانخراط بكثافة في مظاهرات مئات الآلاف بمجتمعاتهم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان