التنكيل بعنترة بن زبيبة!
هل تتنكر شعوبنا لحركات المقاومة والتحرير؟!

هل صدق الشاعر نجيب سرور حينما قال: «فرسان هذا العصر هم بعض اللصوص»، تمر الأيام ثقيلة دامية، وبقدر ما تُفقدنا الحرب شهداءنا بقدر ما تقذف على صفوفنا أعدادًا جددًا من الخونة والانتهازيين والمنهزمين، وقد صدق من قال: «عندما تطول الحرب يكثر الخونة».
تاريخيًّا؛ قد يعاني أبطال المقاومة والتحرير من التنكر والخذلان بعد الحرب، فما أقبحنا والحرب دائرة؛ أن تواجه حركات المقاومة العدو في الأمام، وخونة البعض من الخلف.
فكما يقول الشاعر حسن جلنبو:
لكنَّه البأسُ أن نلقى العدوَّ وفي
جنبيكَ نارٌ من الخذلان تستعرُ
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
فلسان حال المقاومة مع فيالق التشنيع والتشويه من بني الجلدة، كما قال ابن الرومي الشاعر العباسي:
تخذتكُمُ دِرعًا وتُرسًا لتدفعوا
نِبال العِدا عنِّي فكنتُم نصالَها
فإنْ أنتُمُ لم تحفظوا لمودَّتي
ذِمامًا فكونوا لا عليها ولا لَها
قفوا موقفَ المعذورِ عنِّي بمعزلٍ
وخلُّوا نبالي والعِدا ونبالَها.
ما أقبحنا والحرب دائرة، والجروح غائرة، وأحاديث الإفك كالملح على الجراح غادرة.
فهل حققنا نحن العرب المعاصرين طفرة في التنكر والخذلان تجاوزت ما جاء في التاريخ وما ذخرت به كتب الأدب من قصص أبطال المقاومة والتحرير الذين حظوا بالإجلال والتكريم في أوقات الحرب، ثم سرعان ما بعد انتهاء الحرب لحق بهم النسيان والتهميش على أقل تقدير، وعدم الاعتراف بالجميل والتثبيط والتنكيل في أحيانٍ أخرى.
حتى يقول أبو الفوارس عنترة:
يُنادونَني في السِلمِ يا ابنَ زَبيبَةٍ
وعِندَ صِدامِ الخَيلِ يا ابنَ الأَطايِبِ
والفارس الصنديد الشاعر الماجد أمسك في هذا البيت بتلابيب تناقض البشر الذين يمجدونه في أوقات الحرب، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، نادوه باسمه الذي يكره، وذكَّروه بماضيه كعبد، وانتقصوا من مكانته كفارس بني عبس الذي رفع شأنها بين العرب.
وهذا التنكر أيضًا هو ما جعل أبا فراس الحمداني يأسى لحاله وهو أسير في سجن الروم، وقد سُجن بسبب الحرب بين بني الحمدانيين والروم فيقول:
سيذكرني قومي إذا جدَّ جدُّهم
وفي اللَّيلةِ الظَّلماءِ يُفتقدُ البدرُ
فإن عِشتُ فالطَّعنُ الَّذي يَعرِفونَهُ
وتلكَ القَنا والبيضُ والضَّمَرُ الشُّقرُ
أي يذكرونه عند اشتداد الخطوب، واشتعال الحروب.
صخب المنابر الرسمية
لا صوت رسمي عربي الآن يعلو فوق صوت إزاحة أي مقاومة أو حركة تحرير من المنطقة العربية.
ورغم تهديدات تل أبيب وأحاديثها الرسمية حول الخرائط المرتقبة، فإن ذلك لم يمنع الأنظمة العربية البالية من تقسيم المادة الإعلامية على الفضائيات ومواقع الإنترنت والتواصل التي تمتلكها إلى ثلاثة محاور:
المحور الأول: تشويه المقاومة ونشر معلومات مضللة تخص قادتها وأفرادها.
المحور الثاني: بحث كيفية استئصالها تمامًا تحت عنوان «المنطقة بعد الحرب».
أما المحور الثالث فهو نشر الأحداث اليومية للحرب وفظائعها مع الإشارة (أحيانًا بشكل مباشر وأحيانًا بين السطور) إلى أن المقاومة تتحمل مسؤولية المآسي والمذابح التي وقعت.
ففي غزة مثلًا لا تمر عدة أيام دون طرح مبادرة جديدة وبحث كيفية التخلص من حركة حماس واستبدالها، مبادرات أمريكية وعربية وإسرائيلية، وفي كل مرة تصطدم أمنيات المحور الصهيوأمريكي بصخرة المقاومة على الأرض، ثم يعود الاحتلال ويرتدي وجهًا آخر ويطرح مبادرة جديدة، إلا أن المقاومة تقف بالمرصاد فالمعركة بالنسبة إليهم هي معركة الحياة أو الموت، وهكذا…
أما في لبنان فقد نجح الكيان الصهيوني في نقل كرة اللهب إلى قلب بيروت، حيث استثمر الوضع الطائفي، واستعان بالولايات المتحدة والعديد من دول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى دول إقليمية أخرى، وتم الضغط على الحكومة القائمة.. ولا همَّ للجميع الآن سوى نزع سلاح حزب الله، ونسِيَ المجتمع الدولي الأعور إيقاف الحرب الدائرة في غزة، كما نسِيَ منع الكيان الصهيوني من التعدي المستمر على لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار، كما نسِيَ أيضًا تحقيق ما نص عليه الاتفاق من انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
ومع العمل على إزاحة المقاومة في غزة وفي لبنان، يسعى الجميع أيضًا دون فائدة إلى بحث كيفية التخلص من حركة الحوثيين الذين يرفضون التخلي عن مساندة غزة.
وفي نفس الإطار، وإن لم يكن في نفس الخندق، ما زالت مرحلة الريبة الإقليمية والدولية من نظام الشرع قائمة، فنظامه في النهاية هو حركة تحرير نجحت في الاستيلاء على الحكم.
وزاد الأمر صعوبة خلفية نظام الشرع الإسلامية، حتى أن مرونة الشرع وواقعيته لم تشفع له عند كارهيه، والدليل على ذلك استمرار المؤامرات التي تُحاك ضد سوريا وتتفجر كلما استتب له الأمر.
خندق الشعوب الآخر
مخطئ من يظن أن أصوات مكبرات الصوت في المدينة هي دليل دامغ معبر عن آراء أغلبية سكانها، لذا فمن الظلم لشعوبنا قياس موقفها من حركات المقاومة عبر رصد آراء ومواقف النخب الرسمية الحاكمة، وما يتبعها من نخب ثقافية وإعلامية مستأجرة تظهر عبر وسائل الإعلام والتواصل.
فالمصريون الذين باركوا ثورة عرابي، وهتفوا له «الله ينصرك يا عرابي»، لم يلتفتوا كثيرًا لآراء النخب التي حكمت بعد هزيمة الجيش في التل الكبير، والتي شوهت عرابي وحاكمته ونفته، وسجنت مرافقيه وطاردتهم وصادرت أملاكهم.. فقد تجاهل معظم الشعب تمامًا كل الأكاذيب الرسمية التي اتهمت عرابي بالخيانة، وجلب الاحتلال إلى البلاد، واكتفى الناس بترديد المقولة التي صارت مثلًا فيما بعد: «الولس كسر عرابي» أي الخيانة هي من هزمته.
وبعيدًا عن الإفك الرسمي، والرعب النخبوي الذي استمر حتى بعد عودة عرابي من المنفى.. مكث المصريون لعقود يطلقون اسم عرابي على أبنائهم.
وعلى ضوء هذا يمكننا معرفة من أين تأتي الأصوات الصاخبة التي تتنكر للمقاومة وتحاول عد أنفسها كجهات معبرة عن الشعوب، وهي في النهاية ناطقة باسم الأنظمة الرسمية، وفي أحيانٍ أخرى ناطقة باسم بعض الأقليات، ولكنها الأعلى صوتًا خصوصًا مع غياب الوسائل الديمقراطية التي تمثل الشعوب وتعكس آراءها، ومنها آليات قياس الرأي العام.
الإسلام دين التحرير
خاضت العديد من شعوب العالم معاركها ضد الاحتلال والطغيان، ونجح معظمها في مقاومة المحتل وتحرير بلاده، إلا أننا – والحديث عن الشعوب المسلمة – لا يمكن أن نفصل المقاومة عن الإسلام كقوة محررة للإنسان من الطغيان والاحتلال والرق البشري، وأحداث التاريخ تشهد على ذلك.
وهو الأمر الذي عبر عنه ببساطة الصحابي الكريم ربعي بن عامر لقائد الفرس رستم: «إنّ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله»، وقد جاءت تلك الكلمات في عالم تحكمه عدة إمبراطوريات وتسترق فيه جميع البلاد وكل العباد.
وأغلبية شعوبنا – رغم محاولات التغييب وطمس الهوية – تعلم قيمة الجهاد في الإسلام، فهو ذروة سنامه كما جاء في الحديث الشريف.
لذا لا يمكن للمسلم الحق التنكر للمجاهدين وغمط حقهم من التقدير، وإلا فماذا يفعل بآيات القرآن التي تحض على الجهاد وتحث عليه وتذم الكارهين له والمنصرفين عنه، كما تأمر بالوحدة والترابط والثبات. ومن تلك الآيات قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ – وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”.
