حرية الإعلام والنفاق الغربي.. الاستعمار الجديد يرفض الصحافة الحرة!

نعوم تشومسكي ينظر إلى جهاز كمبيوتر مع ابنته (رويترز)

عندما تشتد الخطوب والمحن، وتتعرض الأمة لخطر يهدد وجودها، فإنها تحتاج إلى إعلاميين أحرار يكشفون لها الحقائق، ويقودون كفاحها لتحقيق الحرية والديمقراطية والاستقلال الشامل.
لذلك يعمل الاستعمار الجديد بالتحالف مع الاستبداد لتقييد حرية الإعلام، حتى لا تتمكن الشعوب من معرفة الحقائق، ولا تتطلع إلى تغيير واقعها البائس وفرض إرادتها، ولا تبحث عن مصادر قوتها فتستثمرها لتحقيق التقدم.

امتياز لشعوب الغرب فقط!

لاحظت وأنا أعمل في رسالتي للدكتوراه عن حرية الصحافة أن أساتذة الإعلام الغربيين يتعاملون معي كأنني من عجائب الشرق الذي يحملون له في عقولهم صورة نمطية مشوهة، وكأنه ليس من حق باحث عربي أن يتحمل مسؤولية الكفاح من أجل حرية الإعلام. حتى أستاذي جيمس هالوران نفسه اقترح أن تقتصر رسالتي على المقارنة بين مجلسي الصحافة البريطاني والمصري، لكنني تعاملت مع الأمر بعقلية البدوي العنيد، الذي ضربت أشعة شمس الصحراء رأسه فجعلته يرفض مصلحته من أجل مبادئه.

لكن الأمر ظهر جليا عندما ذهبت إلى دور الصحف البريطانية وقابلت الكثير من الصحفيين، الذين كانوا يتفاخرون بحرية الصحافة في الغرب، ويعتبرونها ملكية احتكارية لدولهم، وتاجا على رؤوسهم، وأنها اختراع غربي يجب أن يتمتع به البيض المستعمرون، فتدير وسائل الإعلام الحوار بينهم وتناقش قضاياهم، وتنشر أفكارهم، فتزيد دولهم قوة.

لماذا لا يتضامنون معنا؟

طوال كفاحي من أجل حرية الإعلام لم أجد تضامنا حقيقيا مع كفاحنا من أجل الحرية حتى من المنظمات الدولية واتحادات الصحفيين، وظهر ذلك جليا خلال العامين الماضيين، عندما قامت إسرائيل بقتل أكثر من 236 صحفيا فلسطينيا في غزة، لتحرم العالم من معرفة الحقائق عن الجرائم التي ترتكبها ضد الإنسانية، ومن أهمها الإبادة الجماعية والتجويع.
ولم يستجب أحد لدعوتي إلى تضامن الصحفيين في العالم ضد قتل الصحفيين، وضد حرمان الجماهير في العالم من معرفة ما يحدث في غزة، كما ارتبط ذلك بتغطية وسائل الإعلام الغربية المتحيزة إلى إسرائيل.

حرية طبقا للمصالح الغربية!

لذلك أشار محمد بازي في مقاله بصحيفة الغارديان (25 أغسطس/آب 2025) إلى أن إسرائيل تستهدف قتل الصحفيين الفلسطينيين بشكل منتظم بسبب فشل الصحفيين الغربيين والمنظمات الإعلامية الغربية في التضامن مع زملائهم الفلسطينيين، فهذه المنظمات تنتقد الحكومات المعادية للولايات المتحدة لقيامها بسجن الصحفيين مثل روسيا والصين وإيران، لكنها تصمت عندما تقوم إسرائيل حليفة أمريكا بقتل الصحفيين الفلسطينيين.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لكنني أرى الأمر أخطر من ذلك، فالاستعمار الجديد تحالف مع الاستبداد لتقييد حق الجماهير في المعرفة، لكي تتمكن وسائل الدعاية من تزييف وعي الشعوب وإخضاعها.

حرية الإعلام خطر على الاستعمار.. لماذا؟!

إن الدول الغربية لا تريد حرية الإعلام في دول الجنوب، لأنها تدرك أن الإعلام الحر المستقل يكشف الفساد والهيمنة الأجنبية، ويشكل الرأي العام ضد الاستعمار الجديد.
وقد أوضحت التجارب التاريخية أن الإعلام الحر يقوم بدور مهم في تعبئة الشعوب لتحقيق الاستقلال، كما أن حرية الإعلام توفر المعرفة للشعوب فتضعف قدرة الدول الغربية الاستعمارية على استغلالها ونهب ثرواتها.

لذلك يرى إدوارد سعيد أن الغرب يستخدم الإعلام لفرض “هيمنة معرفية”، وأنه يخشى أي إعلام عربي حر لأنه سيعيد صياغة الصورة النمطية عن العرب والمسلمين، ويقلب معادلة القوة الخطابية.
أما نعوم تشومسكي فيرى أن دعم الغرب لحرية الإعلام انتقائي، وأنه يقتصر على الحالات التي تخدم مصالحه. أما عندما يتعلق الأمر بدول الجنوب، فإنه يسعى إلى تقييد الإعلام، لأن الإعلام المستقل يكشف الاستغلال السياسي والاقتصادي الغربي.

كما أن الاستعمار الغربي الحديث لم يكن ليستمر لولا قدرته على التحكم في المعلومات والإعلام، وإبقاء الشعوب في حالة جهل أو تضليل.
وحين يقترب الإعلام من كشف ملفات حساسة، مثل الاستعمار الجديد والاحتلال الإسرائيلي والاستغلال الغربي ونهب ثروات الشعوب الفقيرة، فإن الغرب ينقلب على حرية الإعلام، ويشجع على قمع أي تجربة لإعلام حر مستقل في دول الجنوب الفقيرة.

لذلك يحرص الغرب على إبقاء الإعلام في هذه الدول تابعا للأنظمة، أو مرتهنا بالتمويل الأجنبي، أو محاصرا بالرقابة المباشرة وغير المباشرة. إنه يريد الحرية لنفسه فقط!

إعلام يعيد كتابة التاريخ

رغم الخطاب الغربي الذي يرفع شعار حرية الصحافة، فإن دراسة التاريخ تكشف النفاق الغربي والمعايير الاستعمارية المزدوجة، إذ يرى نعوم تشومسكي أن الغرب يدعم الإعلام فقط عندما يخدم مصالحه، بينما يقمعه عندما يهدد نفوذه في العالم الثالث، وأن الغرب يرفع شعار حرية الصحافة كقيمة عالمية، لكنه في الحقيقة لا يسمح بهذه الحرية إلا لنفسه، أما إذا طالبت بها دول العالم الثالث، فإنها تصبح خطرا على الاستقرار ومهددة للمصالح الغربية.

ويضيف تشومسكي أن المجتمعات الديمقراطية المتقدمة تحتاج إلى تزييف الوعي بوسائل أكثر نعومة من القمع المباشر، أما في العالم الثالث، فإن الغرب يضمن مصالحه عبر دعم أنظمة تقمع الإعلام الحر، وتغلق المجال أمام أي خطاب تحرري.

لذلك فإن أي مساحة حقيقية لحرية الإعلام في دول الجنوب تعني بالضرورة نهاية الأنظمة التابعة للغرب، ولهذا السبب فإن الولايات المتحدة والدول الغربية تدعم الرقابة والقيود المفروضة على الإعلام في هذه المنطقة.

يقدّم إدوارد سعيد إضافة علمية تسهم في تفسير موقف الغرب، فيقول إن المعرفة التي يقدمها الإعلام الغربي عن الإسلام والعرب ليست محايدة، بل هي معرفة تخدم أهدافا استراتيجية استعمارية. ويستخدم الغرب الإعلام وسيلة للهيمنة ولتشويه صورة الآخر.
ويضيف أن الاستعمار لم يكن مجرد جيوش وأساطيل، بل كان أيضا روايات وصحفا ومجلات وبرامج إعلامية، أسهمت في تقديم صورة الأوروبي كمركز للحضارة، وتقديم الآخرين بوصفهم متخلفين يحتاجون إلى الوصاية.

لذلك لا يريد الغرب للإعلام العربي أن يكون حرا مستقلا، لأنه يدرك أن الإعلام الحر يعني إعادة كتابة التاريخ من منظور الضحايا، لا من منظور المستعمر. وأنا أضيف إلى ذلك أن الإعلام الحر سيوضح للأمة أنها قادرة على تحقيق الاستقلال والتقدم والديمقراطية، لذلك أدعو الصحفيين في دول الجنوب إلى مرحلة جديدة من الكفاح لتحرير الإعلام من الاستبداد والاستعمار، وتوفير المعرفة للشعوب لتصبح قادرة على انتزاع حريتها وفرض إرادتها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان