«إسرائيل الكبرى».. والنازي أيخمان

سفينة مشاركة في أسطول الصمود تبحر من ميناء برشلونة
سفينة مشاركة في أسطول الصمود تبحر من ميناء برشلونة (رويترز)

 

منذ أكثر من ستين عامًا، تساءلت الفيلسوفة حنّا آرندت في جريدة «النيويوركر» عام 1961 عن محاكمة أدولف أيخمان بتهمة جرائم الحرب: هل يمكن للمرء أن يرتكب الشر دون أن يكون شريرًا؟
وكان أيخمان هو المسؤول النازي عن تنظيم نقل ملايين اليهود وغير اليهود إلى معسكرات الاعتقال دعمًا للحل النهائي النازي.

وجدت آرندت أن أيخمان كان بيروقراطيًّا عاديًّا، بل أقل من العادي. وبحسب ما عبَّرت، فهو لم يكن «منحرفًا ولا ساديًّا»، ولكنه كان «عاديًّا بشكل مرعب». فقد فعل ما فعله، دون أي دافع سوى الاجتهاد في تعزيز مساره المهني في البيروقراطية النازية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وهذا بالضبط ما فعلته الصهيونية: خلقت نسخًا حديثة من أيخمان، لكن بزي عسكري، بخوذة ذكية، وبمسوغات «أخلاقية» جاهزة.

لليمين دُر

وخلال 77 عامًا، لم تتمكن إسرائيل من التغلب على المقاومة الفلسطينية، وفي كل مرة تفشل، تغذي نسخة صهيونية أكثر يمينية وتعد بحلول أكثر تطرفًا.
وحاليًا تقود إسرائيل حكومة يمينية متطرفة ترتكب، بغطاء أمريكي، إبادة جماعية.

لكن المشكلة أعمق بكثير من أمثال رئيس الوزراء نتنياهو أو وزيريه اليمينيَّين سموتريتش وبن غفير، اللذين يصفان نفسيهما بالفاشيَّين. فالملاحَظ أن الدولة والمجتمع الإسرائيليين يتجهان نحو اليمين منذ عقود، وأن حكومة نتنياهو نتاج هذا التوجه.

وفي ظل المعسكر «الاشتراكي»، برزت الصهيونية العمالية، وهي شكل من أشكال الصهيونية تتحدث بلغة يسارية من قلب التأسيس العنيف للدولة. لكن أول رئيس وزراء صهيوني ديفيد بن غوريون كتب أن «نتاج العمل العبري وحده هو القادر على أن يكون بمثابة ملكية وطنية»، بمعنى آخر: كان لا بد من طرد الفلسطينيين.

وأظهر بن غوريون خطًّا سياسيًّا متشددًا، حيث رفض الانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل خارج حدود قرار التقسيم، ومنع الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم. وأدَّت نكبة عام 1948، التي شردت ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، إلى إخماد المقاومة الفلسطينية مؤقتًا.

واللافت أنه بعد انتصار إسرائيل في حرب 1967، ادعت رئيسة الوزراء غولدا مائير من حزب العمل (الحمائم) عام 1969 أنه «لا وجود للفلسطينيين».
لكن الأمور كانت تتغير، فبحلول أواخر الستينيات، كانت منظمة التحرير الفلسطينية تخوض كفاحًا مسلحًا، وفي عام 1973 تعرضت إسرائيل لهجوم مفاجئ من الأنظمة القومية بقيادة مصر.

صعود الليكود

وفي غضون ذلك، تزايدت الانقسامات داخل إسرائيل بين مجموعات المستوطنين حول أفضل السبل لتقسيم ما سرقوه من الفلسطينيين. موجات من اليهود المزراحيين والسفارديم، القادمين من الشرق، استوطنوا في الخمسينيات، لكنهم واجهوا تمييزًا من المستوطنين اليهود الأشكناز الأوائل، القادمين من الغرب. ونُفي اليهود المزراحيون تحديدًا إلى مستوطنات أدنى مستوى.

سمح هذا لحزب الليكود، كما كتب الثوري اليهودي روب فيرغسون، بركوب «موجة الاستياء التي نمت بين اليهود المزراحيين من الهجوم العربي المفاجئ في حرب 1973 واستمرار المقاومة». وبالفعل، وللمرة الأولى في تاريخه، فاز الليكود (الصقور) في انتخابات عام 1977.

وباتت سياسة دولة الاحتلال هي التوسع العدواني والعنيف لقمع المقاومة. ورغم هزيمة إسرائيل لمنظمة التحرير في لبنان عام 1982، فإن المقاومة لم تُسحَق.

وخلال الانتفاضة الأولى (1987-1993)، عززت إسرائيل نظام الفصل العنصري، ولكنها «ناورت» بـ«حل الدولتين» في اتفاقيات أوسلو. مكَّن هذا الاتفاق منظمة التحرير من التعاون مع إسرائيل عبر السلطة الفلسطينية، بينما صعَّدت تل أبيب من عملية بناء المستوطنات في الضفة الغربية.

الصهيونية الدينية تعتلي المسرح

ومع تلاشي وهم الدولة الفلسطينية، اندلعت الانتفاضة الثانية (2000–2005)، تلتها فوز «حماس» المفاجئ في انتخابات 2006. وعلى أثر ذلك فرضت إسرائيل حصارًا، وشنت هجمات متكررة على غزة في أعوام 2008، 2012، 2014، 2018، 2019، مما أسفر عن مقتل الآلاف.

وفي هذا السياق، برزت الصهيونية الدينية تيارًا أكثر يمينية، يعارض حتى «عملية السلام» الزائفة، ويتبنى شعار «الأرض لنا، لأن الله أعطانا إياها، ويحرّم التنازل عنها».

وخلال عام 2020 بدا نتنياهو، رئيس الوزراء حينذاك، واثقًا للغاية. كان يعتقد أنه أخضع الفلسطينيين وعزلهم عبر اتفاقات أبراهام مع دولة الإمارات والبحرين.

لكن انتفاضة «الوحدة الفلسطينية» الملهمة عام 2021 أفشلت خطط نتنياهو، وبعثت برسائل نارية إلى إسرائيل. فعلى الرغم من استراتيجيتها التي دامت عقودًا من الانقسام والفصل، فقد توحد الفلسطينيون في انتفاضة عبر فلسطين التاريخية.

وكانت استجابة المجتمع الإسرائيلي لهذه الانتفاضة هو ظهور تيار «الصهيونية التصحيحية»، التي ارتبطت بفلاديمير جابوتنسكي، الذي يُعَد رمزًا من رموز التطرف الصهيوني (وُلد عام 1880) ودافع عن إخضاع السكان الأصليين للكيان الصهيوني الذي يمتد على ضفتي نهر الأردن.

وسمحت هذه الديناميكية لسموتريتش، زعيم الحزب الديني القومي، وبن غفير، زعيم حزب القوة اليهودية، بالصعود. وجاءت انتخابات عام 2022 التي جعلتهما صانعَي الملوك. أصبحت الصهيونية الدينية عاملًا فاعلًا في الحياة السياسية، وكان أحد ممثليها، وهو نفتالي بينيت، قد شغل منصب رئيس الوزراء عام 2021.

وترك هذا التيار تأثيرًا متزايدًا على حزب «الليكود» القومي، واضطر نتنياهو إلى الاعتماد عليه لتشكيل حكومته الأخيرة. وفي حواره لقناة «i24» الإخبارية في أغسطس/آب الماضي، قال نتنياهو إنه يشعر بأنه في «مهمة تاريخية وروحية»، وأنه «مرتبط جدًّا» برؤية الأرض الموعودة و«إسرائيل الكبرى».

وتمتد حدود إسرائيل الكبرى، حسب وثيقة كتبها عوديد ينون (الصحفي والدبلوماسي) عام 1982، لتشمل أجزاءً من لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعودية.

ترقيم الفلسطينيين

وتستفيد هذه الطبعة من الصهيونية من التحولات التي تشهدها الإمبريالية الأمريكية، وتركيزها على مواجهة الصين، حتى لو كان ثمن ذلك إطلاق يد إسرائيل في المنطقة.

وقبل أيام ناقشت إدارة ترامب وشركاؤها الدوليون مقترحات لبناء «ريفيرا الشرق الأوسط» على أنقاض غزة، أحدها يقضي بفرض سيطرة أمريكية ودفع أموال للفلسطينيين كي يغادروا.

ومن أجل تمويل بقاء الفلسطينيين في معسكرات الاعتقال أو التهجير للخارج، سيُجرَّد مالكو الأراضي من حقوقهم في الأرض مقابل «رموز رقمية»، إذ سيحصلون على «رموز رقمية» مقابل «حقوق إعادة تطوير الأراضي في غزة»!

وبعد تعهده في فبراير/شباط بتولّي غزة، أعاد ترامب نشر فيديو مُولَّدًا بالذكاء الاصطناعي على منصة «تروث سوشال» يعكس رؤيته. يبدأ بمشاهد لأطفال ينبشون في الركام وسط مسلحين يحملون البنادق، ثم ينتقل سريعًا إلى عالم من ناطحات سحاب متلألئة وشواطئ نقية وأموال تتساقط من السماء. يظهر ترامب ونتنياهو وهما يتشمسان على شاطئ غزة، في حين يهيمن تمثال ذهبي لترامب على مشهد حضري نظيف ونابض بالحياة.

وترافقه أغنية جذابة: «دونالد قادم ليحرركم، يجلب البهجة لكل ما ترون. لا مزيد من الأنفاق، لا مزيد من الخوف. ترامب غزّة وصلت أخيرًا».

أسطول الحرية

لقد أثبتت إسرائيل، بعد عملية طوفان الأقصى التي أعادت طرح القضية على المستوى العالمي، أنها عازمة على تحرير فلسطين من الفلسطينيين.

ولكن تنامي التضامن العالمي، كما يتجلى في أسطول الصمود، يمنحنا بصيصًا من الأمل في قدرة حركة التضامن على وقف المجاعة والحرب، بشرط أن تتمسك «حماس» بالبندقية، وتشارك الجماهير العربية في المواجهة.

ولكن لا يوجد مناص من تصفية المشروع الصهيوني، وإقامة دولة فلسطينية واحدة ديمقراطية من النهر إلى البحر، بحقوق متساوية للجميع، إذا أردنا منع بروز نسخة أكثر عنصرية وتطرفًا من الصهيونية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان