غزة بين الاحتلال والإعمار.. حين يتكرر التاريخ بلغة جديدة

هجمة شرسة على الأبراج السكنية في غزة
هجمة شرسة على الأبراج السكنية في غزة (رويترز)

غزة، تلك البقعة الصغيرة من الأرض، ليست مجرّد جغرافيا منكوبة بالحرب المتكررة، بل هي ساحة يتنازعها الماضي والحاضر، ويتداخل فيها التاريخ مع السياسة، ويبدو أن الزمن يعيد تكرار نفسه، ولكن بلغة مختلفة مع مرور الأحداث.

في هذا المقال، أحاول أن أستعيد بعض الملامح التاريخية التي عاشتها غزة، يوم كانت الحروب تُشن باسم الخلاص، وتهدم المدن، ثم يُعاد إعمارها بعيدا عن إرادة سكانها.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وما نعيشه اليوم من حرب إبادة يشنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة بدعم أمريكي، وما يطرح من مشروعات باسم إعمار غزة، يبدو في كثير من ملامحه امتدادا لذلك النمط القديم: استعمار بأدوات جديدة، يُقدَّم في عباءة ناعمة.

وفي هذا المقال لست أتحدث عن غزة فقط، بل عن المعنى الذي تحمله مشاريع إعمار تُفرض من خارج إرادة الناس، وعن التاريخ حين يتخفّى في الحاضر.

إن غزة في وعي أعدائها تُعد آخر معقل يُقاوم الهندسة الجديدة للمنطقة، التي ترتكز على مفاهيم إعادة تعريف الصراع، وإخضاع الرواية الفلسطينية لتوازنات القوة لا لشرعية الحق. من هنا، تظهر خطط إعادة الإعمار المطروحة بعد حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي، لا كاستجابة إنسانية خالصة، بل كجزء لا يتجزأ من معركة السيطرة على الذاكرة والمصير.

فما يُعاد تكراره اليوم في غزة، سواء على لسان الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب أو عبر التنسيق الإسرائيلي مع أطراف أخرى، يشبه إلى حدّ مخيف ما وقع في الحقبة الصليبية حينما استُبدل الاحتلال باسم “التحرير”، والاستيطان باسم “الحق التاريخي”، والإعمار باسم “الخلاص الروحي”.

غزة الجديدة يربدونها بلا أهلها

منذ عودة دونالد ترامب إلى المشهد الدولي، بات واضحا أن رؤيته للمنطقة ليست امتدادا لإدارته الأولى فحسب، بل مضاعفة لصيغة الهيمنة المباشرة. ففي فبراير/شباط 2025، أعلن ترامب في مؤتمر مع بنيامين نتنياهو خطة تقضي بأن “تتولى الولايات المتحدة إعادة إعمار غزة وإدارتها المباشرة لفترة مؤقتة، تُعيد فيها الحياة إلى هذه البقعة البائسة، وتجعلها واجهة بحرية للعالم العربي الحديث”.
وفقا لتقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” بتاريخ 31 أغسطس/آب 2025، تسربت تفاصيل عن خطة إعادة إعمار غزة، تشمل مشروعا باسم GREAT Trust، وهو صندوق اقتصادي سياسي لإعادة هيكلة غزة، يشمل منحا مالية لسكانها مقابل انتقالهم “الطوعي” إلى مناطق أخرى، مع استبدال حقوق الملكية بنظام تعويض رقمي.
إنها ليست خطة إنقاذ، بل هندسة سكانية سياسية شاملة، تسعى لتفكيك مفهوم المقاومة من جذوره، وطمس أي إمكانية لبقاء غزة ككيان صلب، عصيّا على الابتلاع.

من ذاكرة التاريخ الصليبي

المشهد الذي نراه في غزة ليس جديدا، بل يعود بأصدائه إلى زمن الحروب الصليبية، حين لم يكن الاحتلال يُفرض بالقوة فقط، بل يُرمّم ثقافيا واجتماعيا عبر مشروع إعمار ديني حضاري.
وهنا، نجد ثلاث مقاربات تاريخية تُضيء ما يجري اليوم في غزة: مملكة القدس اللاتينية (1099م)، وحصار عكا (1189–1191م)، وصلح الرملة (1192م).
حين سقطت القدس بيد الصليبيين عام 1099، لم تكن المدينة وحدها هي التي انهارت، بل سُحق كل ما يمثل أهلها. من بقي قُتل أو نُفي أو وُضع تحت سلطة لا تشبهه، وسرعان ما أُقيمت على أنقاض المدينة مملكة غريبة في كل شيء؛ في لغتها، وهويتها، وطرزها المعمارية، وحتى في صلاتها.
ووفقا للمصادر التاريخية، ومنها ما ذكره “ابن الأثير”، والمؤرخ الصليبي الشهير “ويليام الصوري”، وما أشارت إليه “كارن أرمسترونغ” في كتابها “القدس.. مدينة واحدة وعقائد ثلاث”، فقد أعاد الغزاة بناء القدس، لكن ليس كما كانت.
أزالوا ملامحها الأصلية، وشيّدوا مكانها مدينة تشبههم، لا تشبه من عاش فيها لقرون.
لم يكن ذلك مجرّد احتلال عسكري، بل محاولة لزرع هوية جديدة بالكامل، هوية تُقصي كل من لا يدخل في سرديتهم الدينية والسياسية.
التحرير لم يكن تحريرا، بل مشروعا استيطانيا طويل النفس، بدأ بالدم وانتهى ببناء شرعية زائفة على أرض مغتصبة.
ولو نظرنا إلى ما يُراد لغزة اليوم، لوجدنا الصدى ذاته، وإن تغيّرت الأدوات. ثمة من يحاول إعادة تشكيلها أيضا، لا كأرض مقاومة بل كمشروع عقاري ضخم، ومنطقة مفتوحة بلا هُوية، وربما بلا فلسطينيين أصلا.
وبالنسبة لحصار عكا، فقد كان من أكثر الحصارات دموية في التاريخ الوسيط، حيث حاصر الصليبيون عكا لمدة عامين، وانتهى ذلك بتفكيك بنيتها الاجتماعية والإدارية، واستبدالها بميناء تجاري عسكري يخدم النفوذ الأوروبي.
الإعمار الذي تلا ذلك لم يكن لسكان عكا، بل لمشروع أجنبي هدفه ضبط البحر وحركة التجارة.
أليس هذا ما يُعاد تخطيطه اليوم لغزة؟ أن تتحول إلى بوابة اقتصادية تحت إشراف خارجي، يُعاد فيها تعريف من يملك الأرض، ومن يسكنها، ومن يحق له البقاء؟
أما صلح الرملة (1192م)، الذي أبرم بين الناصر صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد، فرغم أن غزة عادت إلى الحكم الإسلامي، لكن ما يلفت الانتباه هو أن سكان المدن الساحلية المتنازع عليها، لم يُشركوا في صياغة هذا الاتفاق، حيث فُرض عليهم دون أن يكون لهم أي صوت أو مشاركة فعلية.
اليوم، يُدار مستقبل غزة عبر غرف مغلقة، دون حضور للفلسطينيين إلا كشاهدين على فصول تصفية قضيتهم.

غزة والاستعمار بلغة جديدة

ما يجري في غزة اليوم ليس خروجا عن تاريخ الاستعمار، بل امتداد له، بعبارات أكثر نعومة، وأدوات أكثر دهاء.
الجوهر هو ذاته: السيطرة على المكان وترويض الإنسان، لكن الخطاب تغيّر.
في العصور الوسطى، كانت مشاريع الاحتلال المقنع تُباع باسم “الخلاص الديني” أو “تحرير الأرض المقدسة”.
واليوم، تُقدَّم تحت لافتات براقة: “الازدهار الاقتصادي”، و”الفرص الاستثمارية”، و”التنمية المستدامة”.
لكن النتيجة واحدة في الحالتين: يُخيَّر الناس بين الخضوع أو الرحيل، بين الصمت أو الطرد، بين قبول الشروط أو العيش على الهامش.
الخطة الأمريكية المطروحة لغزة تُسوَّق الإعمار على أنه فرصة، لكنها في حقيقتها محاولة تصفية وإعادة صياغة من جديد.
يريدون غزة لا كمنطقة مقاومة، بل كمنطقة خدمات، وبلا خطر سياسي، وبلا تاريخ نضالي، وبلا ذاكرة جماعية. يريدونها خاضعة، قابلة للتطوير، بشرط أن تُفرّغ من كل ما جعلها تصمد حتى الآن.

في المقابل، كشفت قمة القاهرة مارس/آذار 2025 عن خطة عربية لإعمار غزة بقيمة تتجاوز 50 مليار دولار، تضع في جوهرها بقاء السكان، واستعادة مؤسساتهم، وتمكينهم من الإعمار بأيديهم، لا استبدالهم.
هذا النموذج، رغم عثراته وتحدياته، يعيد الاعتبار إلى فكرة أن الإعمار لا يكون عدالة إن لم يكن جزءا من حق تقرير المصير، لا وسيلة لتحييد إرادة المقاومة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان