سيد قطب.. صاحب “الظلال” الذي دفع حياته ثمناً لأفكاره

سيد قطب

وُلد سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول عام 1906 بقرية موشا التابعة لمحافظة أسيوط في صعيد مصر، لأسرة محافظة وميسورة الحال تعود أصولها إلى الهند.

كان والده منتمياً للحزب الوطني بينما عُرفت والدته بتدينها الشديد. حفظ القرآن الكريم في كتّاب القرية وأتم حفظه وهو في الصف الرابع الابتدائي بين عامي 1912 و1918.

عُرف قطب بميوله الفكرية والأدبية منذ شبابه، وظل عازبا ولم يتزوج طوال حياته.

دراسته

انتقل إلى القاهرة لمتابعة دراسته، فالتحق أولاً بمدرسة المعلمين الأولية ثم بجامعة فؤاد الأول حيث التحق بكلية دار العلوم وتخرج عام 1933 حاملاً شهادة البكالوريوس في الآداب.

وخلال إقامته في العاصمة عاش مع خاله أحمد حسين الموشي، وهو شاعر وصحفي وسياسي، ما أسهم في انفتاحه على الحياة الثقافية والسياسية المصرية.

سيد قطب

مسيرته المهنية

بدأ قطب مسيرته العملية بالتدريس في المرحلة الابتدائية لتمويل دراسته الجامعية، ثم اتجه إلى العمل الصحفي لمواجهة أعباء المعيشة خاصة بعد انتقال أسرته إلى القاهرة عقب وفاة والده. ثم تولى لاحقاً مناصب إدارية وتربوية في وزارة المعارف، وعمل مفتشاً للتعليم الابتدائي.

وفي عام 1948 ابتُعث إلى الولايات المتحدة للتخصص في التربية وأصول المناهج، ليعود بعدها إلى مصر حيث قدم استقالته من الوزارة عام 1952.

ورغم أن قادة ثورة يوليو/تموز عرضوا عليه تولي وزارة المعارف، إلا أنه رفض المنصب مكتفياً بعدة أشهر عمل خلالها مستشاراً لمجلس قيادة الثورة.

أفكاره

ارتبط سيد قطب في بداياته الفكرية بالمفكر عباس محمود العقاد وتأثر به كثيراً، غير أن العلاقة بينهما سرعان ما شابها التوتر والاختلاف.

ومع نهاية الأربعينيات بدأ قطب يكرس جهده للفكر الإسلامي، فكان كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” الصادر عام 1947 نقطة تحول في مساره.

هذا التوجه فتح أمامه أبواب التواصل مع جماعة الإخوان المسلمين التي انضم إليها رسمياً عام 1953، ليصبح عضواً في مكتب الإرشاد ومسؤولاً عن قسم نشر الدعوة ورئيس تحرير صحيفة “الإخوان المسلمون” حتى إغلاقها بقرار سياسي عام 1954.

إرث ممتد

تميّز إنتاج سيد قطب بتنوعه بين الأدب الخالص، والكتابة السياسية، والفكر الإسلامي الحركي، فكان من أبرز كتّاب المقالة في صحف ومجلات عديدة مثل “الرسالة”، و”البلاغ”، و”الأسبوع”، و”اللواء” الاشتراكية، و”الأهرام”، و”الحياة الجديدة”، و”الجهاد”.

ولم تخلُ مقالاته من إثارة للجدل والمعارك الفكرية التي غالباً ما قوبلت بردود غاضبة. إذ عُرف قطب بموقفه الصارم ضد الشيوعية والرأسمالية على حد سواء.

وفي أربعينيات القرن الماضي وجد ضالته في النثر الأدبي بعد أن كان قد جرّب كتابة الشعر والرواية، لكن إنتاجه الشعري توقف تقريباً بحلول عام 1950.

التحولات الكبرى

بدأت ملامح كتاباته السياسية تتضح في النصف الثاني من الأربعينيات، وازدادت بروزا بعد ثورة يوليو 1952 ودخوله السجن، حيث بلغ نضجه الفكري في أوائل الستينيات خاصة مع صدور كتابه الشهير “معالم في الطريق”.

كان قطب في بداياته السياسية معجباً بحزب الوفد، ثم مال لاحقاً إلى جناح “السعديين”، قبل أن ينفصل عن جميع الأحزاب معلناً أنه لم يعد يرى فيها ما يستحق العمل لأجله.

اعتُبر واحداً من أهم المنظرين لثورة 1952 التي قادها ضباط مقربون من جماعة الإخوان المسلمين، لكن الخلافات التي برزت لاحقاً بين الثورة والجماعة أدت إلى حل الأخيرة واعتقاله مطلع عام 1954.

وبعد حادثة المنشية في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1954، التي اتهم فيها الإخوان بمحاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، اعتُقل المئات من أعضاء الجماعة بينهم سيد قطب الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد وتعرض خلاله لأشد صنوف العذاب.

أُفرج عنه في مايو/أيار 1964 بعد وساطة خارجية، لكن أُعيد اعتقاله بعد أشهر قليلة. وفي عام 1957 شهد مذبحة لمعتقلين من الإخوان داخل سجن طرة، ما دفعه إلى وصف النظام القائم حينها بأنه “نظام كفر”.

“الحاكمية” و”الجاهلية المعاصرة”

ترك قطب بصمته الفكرية الأعمق على الحركات الإسلامية المعاصرة من خلال تركيزه على مفهومين رئيسيين هما “الحاكمية” و”الجاهلية المعاصرة”، وقد شكلا أساساً لخطاب حركي ألهم أجيالاً لاحقة.

وقد دُوّنت في فكره وسيرته عشرات الكتب والأبحاث التي حللت مسيرته وتأثيره. ومن أبرز أقواله التي تعكس منهجه الفكري “لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان، إلا بالرجوع إلى الله وتحكيم كتابه في الحياة كلها”.

مؤلفات واسعة الانتشار

بدأ قطب مسيرته الأدبية عام 1936 بكتاب “مهمة الشاعر في الحياة”، ثم واصل إنتاجه ليصدر أكثر من 20 كتاباً لقيت انتشاراً واسعاً في الأوساط الإسلامية حول العالم.

ومن أبرز مؤلفاته “طفل من القرية” (سيرة ذاتية 1946)، “النقد الأدبي أصوله ومناهجه”، “التصوير الفني في القرآن”، “خصائص التصور الإسلامي”، “المستقبل لهذا الدين”، إضافة إلى تفسيره الشهير “في ظلال القرآن” الذي بدأه عام 1951 واستمر حتى 1964. وقد تُرجمت أعماله إلى عدة لغات أجنبية، مما أسهم في اتساع دائرة تأثيره عالمياً.

اتهم سيد قطب في منتصف الستينيات بالتآمر لقلب نظام الحكم، فحُكم عليه بالإعدام شنقاً. ونُفذ الحكم فجر التاسع والعشرين من أغسطس/آب 1966، لتطوى بذلك صفحة أحد أكثر المفكرين الإسلاميين إثارة للجدل وتأثيراً في التاريخ المعاصر.

المصدر: الجزيرة مباشر + مواقع إلكترونية

إعلان